إبراهيم غرايبة

ما بين التشكيل الاجتماعي والإصلاح

تم نشره في الأربعاء 15 آذار / مارس 2017. 01:05 صباحاً

يمكن الاستدلال بوضوح على فرص الإصلاح والنمو بملاحظة التشكلات الاجتماعية والمؤشر إليها بمجالس البلديات والنقابات والمنظمات الاجتماعية أو في فرص المجتمعات في التأثير في الانتخابات النيابية واتجاهات الموارد والإنفاق، فعندما تكون نتائج الانتخابات والتعيينات والعضوية في المجالس والمؤسسات والبرامج تعكس القواعد الاجتماعية بشمول وتعكس اتجاهاتها ومصالحها، فإن عوائد الإنفاق والمشاريع على المجتمعات وفرص الازدهار تكون واعدة، والعكس صحيح أيضا، فعندما تكون القيادات الاجتماعية وتشكيل المؤسسات تعكس مصالح ونفوذ أقلية في المجتمع ثم تكون هذه المجموعة مغلقة على الأقارب والأصدقاء والأتباع والشركاء فإن وجهة عمل المؤسسات والإنفاق بطبيعة الحال سوف تكون لصالح هذه الفئة القليلة من المواطنين.
يعرض دارون اسيموغلو وجيمس روبنسن في كتابهما "لماذا تفشل الدول؟" نماذج وأمثلة في التاريخ لدول ونخب سياسية بذلت نفوذها وتأثيرها لاحتكار التقنيات والموارد الناشئة عنها، ومنع وصول ثمارها  إلى المجتمعات، وكانت النتيجة انهيار هذه النخب، وفي المقابل فإن الدول والنخب التي استوعبت التحولات ببناء شراكة وحريات واسعة أنشأت ازدهارا يعود عليها وعلى جميع المواطنين بتحسين الحياة. 
في روسيا والنمسا والمجر أضيف إلى الاهمال منع التقنية الجديدة مثل سكة الحديد؛ ما أعطى الفرصة لألمانيا أن تحتل مساحات واسعة من أوروبا الوسطى، وسقطت امبراطوريات هابسبورغ وبوربون! لم تعد أنظمة القنانة قادرة على الصمود في موجة الصناعة! أحد ملوك هابسبورغ قال مبررا رفضه بناء المدارس: لست في حاجة إلى علماء! وعندما بدأت موجة قوانين العمل والحقوق العامة والرعاية الاجتماعية قال أحد القادة السياسيين وكيف سنحكم الجماهير عندما يتعلمون ويتمتعون بحقوقهم ويصبحون قوة سياسية؟ ورفض فرانسيس الأول (1708 – 1765) امبراطور النمسا تطوير الصناعة لأنها سوف تحسن حياة الفقراء وتجعلهم من أنصار المعارضة، وتهدد مكانة النخب التقليدية، كان يريد مجتمعا زراعيا تقليديا تقوده أقلية من النخب، وعارض النبلاء بناء مصانع أو شق سكة حديد، لأنها تشجع الثورة، وتقوض النظام الاقطاعي القائم. ورأى نيكولاي قيصر روسيا في منتصف القرن التاسع عشر في التصنيع ثورة أقسم على مواجهتها ما دام قادرا على التنفس! وفي خطابه إلى الشركات الصناعية في معرض موسكو الصناعي قال يجب الانتباه إلى ان الصناعة يمكن ان تتحول من نعمة الى شرّ، فالعمال يتحولون إلى خطر على أنفسهم وعلى أسيادهم!
وفي العام 1848 تعرضت أوروبا لسلسلة من الثورات، وردا على ذلك فقد أصدر قيصر روسيا تعليمات وأوامر تمنع تجمع العمال، وتضع قيودا صارمة على المصانع، ولا تسمح ببناء مصانع جديدة إلا في ظل قيود وشروط صعبة، بخاصة بعد انتشار صناعة النسيج والصباغة والتعدين، وحظر غزل القطن بصراحة، وفسر منع سكة الحديد بأنه لا ضرورة لها، وتشجع السفر غير الضروري!
يبدو واضحا اليوم أن  التقدم القائم تشكل حول الثورة الصناعية وما تبعها من سلسلة تطورات هائلة في الموارد وصولا إلى اقتصاد المعرفة وتقنياتها، ولكن لماذا لم تستفد من التقنية أمم ودول كثيرة كما استفادت دول أخرى؟ الإجابة أيضا تكاد تكون بديهية ومجمعا عليها في عدم التفاعل الصحيح بين المرحلة والموارد، أو الفشل على إجابة السؤال البديهي والتلقائي؛ كيف تستجيب الدول والمجتمعات للمرحلة؟ كيف تلتقط اللحظة أو الفرصة السانحة؟ ففي الوقت الذي التقطت دول عدة تقنيات الطباعة في انتشار التعليم وتطوير المهن والحرف والاختراعات تعاملت معها دول ومجتمعات أخرى برفض وعدائية.
والواقع أن معظم دول العالم ونخبه المهيمنة اقتبست التقنية والأنظمة الحديثة للدول المتقدمة، ولكن يمكن ملاحظة أن الفاشلة منها ظلت تدير التحديث والتقنيات على النحو الذي يعود بالفائدة على أقلية من الناس، التقنية التي تنتج التخلف والتحديث المنشئ للفقر والجهل والمرض، أو لنقل عبقرية الفشل، هذا ما يمكن ملاحظته على كثير من الدول الفاشلة.
إلى أي مدى يعكس مجلس أمانة عمان القواعد والتشكلات الاجتماعية وفرصها في المشاركة والتأثير؟ إلى أي مدى تعكس أنظمة الطاقة المتجددة وتصنيع واستيراد التقنيات الحديثة مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد وسياسات وملكية البنوك وشركات الطاقة والمياه والاتصالات والتأمين مصالح وفرص المواطنين في المشاركة الاقتصادية؟

التعليق