جمانة غنيمات

ارتفاع خط "فقر النخب"

تم نشره في الخميس 16 آذار / مارس 2017. 01:10 صباحاً

أهي مخجلة، أم محبطة، أم أكثر من ذلك، الحال التي بلغها المشهد المحلي من نقص في النخب، ونزوع نحو "البهرجة" على حساب العمق، والشواهد كثيرة، وبعضها يندى لها الجبين لشدة غرابتها.
الفقر لدينا لم يعد يقتصر على شريحة من المجتمع لا تملك دخلا مناسبا يساعدها على أن تبقى فوق خطه، بل الأشد خطورة، أننا بتنا نعاني من فقر النخب، وعلى مختلف الأصعدة، وربما ذلك ليس إلا انعكاسا لظروف موضوعية أوصلت الحالة العامة إلى هذه النتيجة.
أينما تبحث؛ سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، حزبيا وتشريعيا، تجد التراجع كبيرا، والوعي في حالة سبات، والأمل بتغيير الواقع يكاد يصل حد القنوط، إذ لا يمر يوم إلا وتبرز حالة أو سلوك يصدمنا من واقع هذه النخب على اختلاف اهتماماتها.
في المقابل، نكتشف أننا نجيد توزيع الألقاب مهنيا وأكاديميا وتراتبيا؛ معالي وعطوفة وسعادة وبيك، أما ألقاب دكتور ومهندس وخبير ومحلل، فحدث ولا حرج، وهي لم تعد تعني سوى قيمة اجتماعية وهمية صنعناها بالألقاب والمسميات الوهمية، من غير أن تمتلك القدرة على تشخيص الأمراض التي تفتك بمجتمعنا، ناهيك عن أنها لن تقدم حلا لأي مشكلة.
الأمثلة على الخراب كثيرة؛ فغالبا ما تسمع نائبا يهرف بما لا يعرف، أو خبيرا منفصلا عن الواقع والوجع، وليس ذلك إلا دلالة جهل وضعف للعلم والتعلم، ما يعكس حالة مجتمعية من فقر معرفي أيضا. وفي مقابل ذلك، تجد أن الكفاءات والخبرات الحقيقية، صارت تنأى بنفسها عن المشهد، تاركة المجال أمام "حَمَلة الألقاب الوهمية".
بصفتنا إعلاميين؛ لطالما سعينا للبحث عن خبراء ومختصين في القطاعات والتخصصات المختلفة، بدءا بالسياسية، وليس انتهاء بالاجتماعية، لكننا نصطدم بنتائج أقل ما يقال عنها إنها محبطة، كونها منفصلة عن الواقع، ولا تمتلك المهارات اللازمة لتقديم رؤيتها إزاء أي قضية، فهي عاجزة عن تمحيصها وتبيان الرأي الموضوعي فيها، رغم تقديسها التام لحرف (د.) الذي يسبق الأسماء.
بالنتيجة، صرنا نعاني من ندرة الكفاءات والخبرات المؤهلة، فلا الحكومات وأعضاؤها أهل للمسؤولية، ولا النواب قادرون على تقديم أداء مقنع للمجتمع يحسّن من صورة مؤسستهم في الأذهان، فيما خبراء الاقتصاد غارقون في النظريات، وعلماء الاجتماع ما يزالون خاضعين للرؤى النظرية، ولم يستطيعوا أن يهبطوا بها إلى أرض الواقع، ما كرّس نمطية سلبية عن هذه النخب في أذهان الناس.
مع تعمق الحالة وتراجع الأداء، وبسبب فقرنا الجديد، صرنا في حاجة ماسة إلى قرع الجرس، فقد وصل فقر النخب إلى مستويات مرتفعة، وزادت ندرة الخبرات عن الحدود المطمئنة، ما يحتاج إلى دراسة، ربما، لقياس حجم التغيير وأسبابه، وأيضا سبيل العلاج، إن كان ذلك ممكنا.
غير أن هناك أسبابا معروفة لدينا، وهي محل إجماع، تبدأ من قطاع التعليم والانهيار الحاصل فيه وفي مخرجاته الكارثية التي لا تؤسس الأرضية المعرفية، دعم ذلك الردة عن الديمقراطية بعد العام 1993 حينما تبدل قانون الصوت الواحد، وبدأت مخرجاته بالظهور شيئا فشيئا، إضافة إلى تدخلات فجة في نتائج الانتخابات لسنوات طويلة.
كل ما سبق جاء في ظل حياة حزبية هشة وضعيفة، نجمت عن سياسات رسمية حاربت الأحزاب، ما أنتج مجموعة من "الدكاكين الحزبية" التي لا تقنع غير العائلة التي أسست بعضها أو أعضائها، ومرضنا الحزبي هذا، يحتاج إلى فترة زمنية، قد تطول، لنتعافى من ضعفه، وأكثر من ذلك، نحتاج إرادة حقيقية لإصلاحه وتبديل واقعه.
هذا الواقع الأليم، ساهم في تعطيل المعرفة والعلم الحقيقيين، وأنتج "ألقابا" من غير أن تمتلك المعرفة، فرّخت وجودا لها في جميع مفاصل حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأكاديمية والثقافية.
لكن الكارثة الكبرى، والتي تدخل في باب "شر البلية.."، أنه ومع كل هذا الخراب والانحدار، تجد من يقف في وجه تعديل المناهج وإصلاح التعليم العالي!!
.. والسؤال متى  نستيقظ؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Iنت كمان (Naser)

    الجمعة 24 آذار / مارس 2017.
    مقال في العمق،،،،،والى بسمه الهندي الي صار معك صار معي قبل ٢٥ سنه حملت حقاءبي ورحلت ولم اعود.
  • »توصيف ناجح (Mahmoud)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    افضل مقال يلخص الحالة المجتمعية, والتي اتحفظ على تسميتها ( النخب) , مقال رائع يجب ان ترسلي نسخة منه لكل المعنيين, ويجب ان يتوقف النقاش عنده طويلا
  • »ابداع (عمر)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    افضل مقال قرأته منذ فترة طويله .. ابدعت
  • »القاب (انور محمد الضمور)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    مقال له دلالاته العميقة شكرا
  • »أهم سبب لفقر النخب هو غياب حرية التعبير (خالد)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    سيدة جمانة أهم سبب لفقر النخب في الأردن هو القيود على حرية التعبير في المجتمع الأردني والمجتمعات العربية. لو ألقينا نظرة على المجتمعات المتقدمة علميا وتقنيا في العالم لوجدنا أن حرية التعبير فيها واسعة جدا، وأكاد أقول لا حدود لها، وأعتقد أن هذا هو أهم سبب لتفوق هذه المجتمعات علينا.
    في المجتمعات الغربية كل تيار فكري له حرية التعبير عن رأيه. شخص مثلا لا يؤمن بالدين له الحق في أن يعبر عن رأيه بما في ذلك نقد الفكر الديني، وبالمقابل يقوم الشخص المتدين بالتعبير عن رأيه والدفاع عن معتقده. لا أحد له الحق في منع الآخر من التعبير عن رأيه سواء ذلك كان يتعلق بالدين أو المرأة أو الجنس أو السياسة، ولمن له راي مخالف يستطيع أن يعبر عن موقفه بالحجة والدليل، وليس كما يحدث عندنا تصدر مذكرة اعتقال بحقه من الحكومة، وربما يقوم أحد الجهلة باغتياله.
    حرية التعبير مهمة جدا لتقدم المجتمع. تصادم الأفكار يولد أفكار ورؤى وحلول جديدة مفيدة للمجتمع في حين أن المجتمع الذي تغيب فيه حرية التعبير تنعدم في الأفكار والرؤى والحلول الجديدة، وبالتالي لا يحدث أي تقدم.
    التيار الديني (أو بالأحرى الإسلامي) لا يجب أن يخشى حرية التعبير، بل يجب أن يعتبر أي نقد له فرصة لإيضاح حقيقة الإسلام. كما ان حرية التعبير تساهم في تنقية الفكر الإسلامي من الشوائب، وتجعله متوافقا مع عصرنا الحالي ومتطلبات تقدم مجتمعنا، وهي لا تشكل أي خطر على الإسلام، بل ترتقي بالفكر الإسلامي، هي تشكل خطرا على الجهات التي نصبت نفسها وصية على الإسلام، وبالتالي ساهمت في إفقار الفكر الإسلامي وجموده، وبالتالي فشل المجتمعات الإسلامية في التقدم.
    ربما كان القاسم المشترك بين جميع الأنظمة السياسية الدكتاتورية، سواء كانت بقناع قومي أو ديني، هو قمع حرية التعبير، ومن خلال قمع حرية التعبير تستمر في الوجود لعقود طويلة، وتنعدم الأفكار الجديدة وينعدم الإبداع، وتصبح وظيفة الإعلام هي كيل المديح للحاكم.
  • »تعقيب (ابووندي)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    السيدة جمانة غنيمات.... لقد اصبت كبد الحقيقة باشارتك اننا لا نمتلك الموارد البسرية اللازمة لاحداث تغيير في مجالات عديدة أهمها "التعليم". استند المنظرون سابقا وحاليا على واقع نقص الموارد المالية التي تحول دون التطوير في مجال التعليم وكأن الاردن في الستينات ولغاية الثمانينات من القرن الماضي كان غنيا. أو ان توفير الموارد المالية اللازمة ستجعل من بيننا خبراء في وضع المناهج ومتميزون في التدريس يقودهم مختصون ومفكرون في التعليم والعولمة والا ما شابه ذلك. مشكلتنا اننا لا نعي حتى الان انه ليس لدينا "مدرسون" وليس لدينا من هو قادر على "وضع المناهج" وليس لدينا من هو قادر على وضع الاستراتيجية للتطوير أو الاصلاح. المشكلة ليس مادية وانما كما ذكرت "شح في الموارد البشرية المناسبة".... الله يرحمنا برحمته.
  • »يتعكزون على ألقابهم (بسمة الهندي)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    هذا المقال وضع المرآة أمام وجه كثير من أصحاب الألقاب في بلدنا كي يروا وجههم الحقيقي ويفزعوا كما افزعوننا بكل ما وصفتهم به الأستاذة جمانة. هم لا يملكون من حطامهم ما يتعكزون عليه سوى ذلك اللقب المهداة لهم في زمن غياب الجدارة وانتشار التسول السياسي.
    أستاذة جمانة لا تتخيلي مقدار العذاب والقهر الذي كان يصيبني عندما كنت اجد نفسي في مؤتمرات الخمس نجوم المحلية الفائضة والتي يتحدث فيها هؤلاء الذين قبض عليهم مقالك؛ ما أقسى أن تجدي نفسك في حقل مزروع بألغام الجهل والسطحية وينفجر في عقلك لغما وراء الآخر حتى تفقد حواسك قدرتها على الاحساس، فتنشغلين ببناء حائط حول دماغك من طين ما تعلمتيه وسكن ذاكرتك كي لا يلتصق أي من هذا الهراء في عقلك.
    كيف حدث هؤلاء ؟! ومن أحدثهم ؟! بعض الاجابات في المقال وبعضها لم يقله المقال وبعضها غير مباح.
  • »ابدعت (نبيل م.)

    الخميس 16 آذار / مارس 2017.
    أفضل واشمل تشخيص للحالة التي نعيشها...شكرا جمانة