إبراهيم غرايبة

كيف تنظر النخب إلى المجتمعات؟

تم نشره في الخميس 16 آذار / مارس 2017. 01:05 صباحاً

تعبر الانتخابات العامة على نحو عملي عن التسويات التي أفضى إليها التفاعل السياسي والاجتماعي، ويدور هذا التفاعل في جوهره بما فيه من صراع وتعاون وتنافس حول "رؤية الذات" كيف يرى المواطنون أنفسهم وكيف تراهم النخب والقيادات السياسية والاجتماعية، ذلك أن الذات تتبع صورتها، فالناس جميعا تتخذ مواقفها واتجاهاتها وفق رؤيتها لنفسها وللآخرين، وقد كان في مقدور النخب أن تحدد الصورة التي تريدها للمواطنين ثم تلحقهم بها، وفي ذلك لم تكن القاعدة الدستورية "الأمة مصدر السلطات" تعكس ولاية المواطنين إلا بقدر ما أنتجت النخبة والطبقات المشاركة صورة الذات للمواطنين والحدود والآفاق التي مورست بها ولايتهم، وليس متوقعا بالطبع أن تصمم السلطات والنخب المدارس والمناهج ووسائل الإعلام والمؤسسات العامة والإرشادية انطلاقا من سلوك أو فكر مثالي مستقل عن مصالحها ونفوذها، لم تكن ولاية الأمة على السلطات في التاريخ والجغرافيا فكرة جميلة ولا مبادئ عليا يؤمن بها أصحابها إيمانا مستمدا من ضمائرهم. لكنها محصلة صراع بين الإرادات والرؤى للذات، وبطبيعة الحال فإن مستوى الحريات مستمد من قدرة الطبقات الاجتماعية على تعزيز رؤيتها لذاتها ودفع الآخرين للقبول بها، ثم لحقت بالتسويات هذه الفنون والآداب والقيم التي جعلت من الحريات وولاية الأمة مبدأ جميلا وملهما، لكنهما جمال وإلهام لم يكونا ممكنين من غير التسويات الواقعية والصراعات الاجتماعية والسياسية، ولم تتحدد ولاية الامة واقعيا إلا وفق نتائج هذه التسويات والصراعات.
أتاحت المطبعة للسلطات السياسية والنخب أن تضع للمجتمعات والأفراد الصورة التي تتبعها، كان في مقدورها بهيمنتها على المطابع والصحف ومحطات الإذاعة والتلفزة والمدارس والجامعات والمعابد أن تنشئ أو تتخيل الهوية والأفكار والثقافة والدين والخطاب والمعنى ثم تلحق بها المدن والأسواق والتلاميذ في المدارس وقراء الصحف ومشاهدي التلفاز ومستهلكي السلع، والمؤمنين المتدينين والجيوش والموظفين كما العمال والفلاحين والموظفين.
لكن النخب اليوم لم يعد في مقدورها مواصلة هذه اللعبة، ويبدو أنها في بلادنا لم تلاحظ بعد أن نجاحها التاريخي كان بفضل المطبعة، وأن الإنترنت جعلت جميع المواطنين شركاء في قلاعها وهياكلها، بل إنها تثير الضحك والسخرية وهي تواصل إدارتها للمناهج التعليمية والمؤسسات الإعلامية والشؤون الدينية، وتهدر الموارد والضرائب التي تجمعها من أقوات المواطنين في إدارة وتنظيم التعليم والإعلام والإرشاد متوهمة أنها تحتكر المعرفة. وببساطة لم تعد المؤسسات الرسمية الإعلامية والمناهج الدراسية وإدارات الشؤون الدينية سوى جزء يسير من شبكة واسعة وهائلة تقدم المعرفة بكفاءة وسهولة، هي في واقع الحال متجهة لتكون مؤسسات مهجورة أو منقرضة.
قال بيكاسو معلقاً على لوحته التي رسم فيها الكاتبة الأميركية غيرترود شتاين، إنه يعلم أنها لا تشبهها، لكن مع مرور الوقت سوف تشبه غيروترد اللوحة، وعندما نحت مايكل أنجلو تمثالين لأميرين من أسرة ميديتشي قيل له إنهما لا يشبهان الأميرين، فقال: بعد سنوات طويلة لن يعرف أحد الفارق. صحيح بالطبع أن الذات تظل تتبع صورتها في كل العصور والمراحل، لكن هذه الصورة تتحول إلى صناعة ذاتية، فلكل فرد في عصر الشبكية صورته التي ينشئها ثم يتبعها ولم يعد لسلطة أو جهة القدرة على احتكار هذه الصورة أو فرضها، فهذا الطفل الذي يشاركه أصدقاء آخرون في جميع أنحاء العالم في الألعاب والصداقة، ويتبادل معهم الحوار والأفكار يحدد هويته التي يتبعها بعيداً من المدارس والكتب المدرسية والأسرة والمسجد أو الكنيسة، والفرد اليوم  بلوحه الإلكتروني يشارك مستقلاً في العالم ويتلقى منه بلا وساطة أو وصاية أو قدرة على التدخل في شأنه.
الشبكية تحوّل المبدأ الدستوري "الأمة مصدر السلطات" إلى حقيقة يومية واقعية.

التعليق