ماجد توبة

وقفة أمام زمن الإعلام الجديد

تم نشره في الخميس 16 آذار / مارس 2017. 12:04 صباحاً

في ظل ثورة المعلومات والتواصل التي نتجت عن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسيادة عالمها الافتراضي، بات مقياس الأهمية، حتى في الصحافة والإعلام والنشر المعرفي، هو للأكثر مشاهدة أو قراءة أو تعليقا، فيما تراجعت مقاييس الجودة والمحتوى إلى درجات كبيرة.
حجم التغير وعمقه في وسائل الاتصال الجماهيري، التي اقتحمتها باكتساح خلال السنوات الأخيرة وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الجديد، بات يفرض قوانينه وشروطه في تشكيل الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام، ضمن أنساق عامة سريعة التغير من جهة، وموغلة في السطحية في أحيان كثيرة، من جهة أخرى.
مع ذلك، لا يمكن إنكار حجم الإيجابيات، بل وفتوحات حرية التعبير وبث المواقف والآراء التي تحققت بهذه الثورة المعلوماتية والاتصالية الجديدة التي تلف العالم وتجمعه إلى ما هو أصغر من القرية، حيث بات العالم حقا جهاز كمبيوتر أو هاتفا ذكيا متاحا اليوم لمئات الملايين من البشر حول العالم، يمكنهم من التفاعل وإبداء الرأي وبث الشكوى والمظلمة والموقف، وتشكيل مجموعات ضغط وتأثير في السياسات العامة.
كل ذلك صحيح ومهم، لكنه لا ينفي ولا يغطي حجم الأزمة المعرفية والاجتماعية التي نمت وتنمو باطراد على هامش هذا الفتح الاتصالي والمعلوماتي، إلى الدرجة التي استحوذ فيها الهامش على الجوهر، وبات فيه الهامش، بتسطيحه وشعبويته وإغراقه للناس في استهلاك معرفة مزيفة، هو السائد والمسيطر، في هذا العالم الافتراضي والإعلام الجديد!
قبل انفجار عالم التواصل الاجتماعي والإعلام التفاعلي و"الملتيميديا"، كانت الصحافة المحترفة والمجلة والكتاب والتلفزيون والإذاعة مصدرا ثريا للمعرفة والمعلومة، وبناء الذات، وتعميم المشترك من قيم واتجاهات مجتمعية وإنسانية، رغم كل الملاحظات على تدني مستوى الحرية وسقوفها، خصوصا في عالمنا الثالث. وكانت مقالة سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية، تترك أثرا في بناء الرأي العام لموقف ما في أحيان كثيرة، يكون أكثر إيجابية، والإيجابية هنا لا تعني سوى الابتعاد عن التحريض وبث الكراهية والتسطيح في المحتوى، وليس بمعنى تأييد السائد أو السلطة.
اليوم في زمن "الملتيميديا" و"فيسبوك" و"تويتر" و"سناب شات" و"أنستغرام" وغيرها من قائمة طويلة، تراجع الكتاب والصحيفة والمجلة إلى الوراء كثيرا، ولم تعد مقالة لجورج طرابيشي أو هشام شرابي، رحمهما الله، بقادرة على منافسة تسجيل لإعلامية "فاضية شغل" تسجل زيارتها لسوق تجاري، أو تستعرض الهدايا التي تلقتها في زيارة لافتتاح محل تجميل تبثها عبر "سناب شات" أو "أنستغرام"، ولن ينافس تحليل سياسي لـ"نيويورك تايمز" أو "الغارديان" أي تسجيل فيديو لتعثر سيدة في سوق تجاري، أو انقلاب شاحنة في شارع ما!
دع عنك ما بات يشكو منه العالم اليوم من سريان إدمان مواقع التواصل الاجتماعي من قبل شرائح واسعة من الناس، تحديدا من الأطفال والمراهقين، وما يجره ذلك من آثار نفسية واجتماعية وصحية سلبية وكارثية، لكننا نتحدث هنا عن قضية المحتوى الإعلامي والمعرفي الذي أصابه الخلل الفادح اليوم مع طغيان ثقافة التواصل الاجتماعي الافتراضي والإعلام الجديد بقدراته التقنية الباهرة. حتى الإعلام المحترف، من صحف ومؤسسات تلفزيونية ومواقع إخبارية إلكترونية، انزلق هو الآخر إلى "ما يطلبه الجمهور" ومقتضيات السوق السائدة، بالتركيز على تسجيلات الفيديو التي لا تقدم معلومة ولا رأيا وازنا، بل تركز على الإثارة والإبهار، ليبدأ عداد المشاهدات بعدها بقياس حجم النجاح والأهمية!
قد يصعب عليك اليوم تقديم موقف حاسم من هذه الثورة الاتصالية الكاسحة التي تلف العالم، وتحيط بحياتك من شتى الاتجاهات، لكنك لا تستطيع إلا أن تقف حائرا مشدوها من حركة التغير السريعة والطاحنة التي يغرق فيها الجميع دون القدرة على التوقف للحظة لالتقاط الأنفاس وتحسس الأرض التي يقف عليها!   

التعليق