حرب على الغرب

تم نشره في الجمعة 17 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً
  • المستشارة الألمانية انغيلا ميركل- (أرشيفية)

إيان بورما*

نيويورك- في العام 1938، نَشَر أوريل كولناي، الفيلسوف المجري من أصل يهودي الذي كان يعيش في المنفى، كتابه الأكثر شهرة بعنوان "الحرب ضد الغرب"، والذي تناول فيه الأفكار التي تقوم عليها الاشتراكية القومية. ويبدو أن كولناي قرأ كل دراسة طنانة منمقة -والتي كتب أغلبها مفكرون من الدرجة الثالثة- والتي مجدت فضائل الدفاع عن النفس والدم وتراب أرض الأبطال والنزعة الحربية، وأدانت المجتمعات المادية الليبرالية الديمقراطية البرجوازية في أرض التجار (وهذا يعني الغرب).
كانت أرض الأبطال بطبيعة الحال هي ألمانيا النازية، وكان الغرب الذي أفسده المال اليهودي والعالمية الكونية البغيضة متمثلاً في الولايات المتحدة وبريطانيا. وكان عليك أن تشترك في نفس الدماء لكي تنتمي إلى الأمة الألمانية البطولية، في حين كانت المواطنة في العالَم الأنجلو-ساكسوني مفتوحة للمهاجرين الذين يوافقون على الالتزام بالقانون. وترجع هذه الفكرة حول نموذجين متميزين من المواطنة إلى أواخر القرن التاسع عشر على الأقل، عندما كان قيصر ألمانيا فيلهلم الثاني ينظر إلى بريطانيا وأميركا وفرنسا باحتقار لكونها مجتمعات هجينة أو على حد تعبيره "مُهَوَّدة".
ثم فاز "الغرب" في الحرب، على الأقل في النصف الغربي من أوروبا؛ وفاز الاتحاد السوفييتي في الشرق. وبدلاً من عقاب الأعداء السابقين، جرى تثقيفهم -من خلال برامج ثقافية وسياسية مدعومة بسخاء بأموال أميركية- لكي يصبحوا أقرب شبهاً بالأميركيين.
وفي الوقت نفسه، عكفت الولايات المتحدة، بمساعدة بريطانيا، على إقامة نظام دولي جديد بعد العام 1945، استناداً إلى التجارة الحرة، والمؤسسات فوق الوطنية (الدولية)، ومن الناحية النظرية على الأقل، تعزيز الديمقراطية الليبرالية.
ومع ذلك، لم تنته حرب الأفكار حقاً قَط. فمرة أخرى، تُصبِح الأفكار الليبرالية، والأممية، والانفتاح على المهاجرين، تحت النيران. صحيح أن الجماعات الهامشية فقط هي التي تتبنى علناً الاشتراكية القومية (ولو أنها أصبحت أيضاً أكثر بروزاً)، ولكن العداء الرسمي ضد الأقليات الثقافية أو الدينية عاد إلى الظهور من جديد، كما عادت كراهية النخب العالمية.
هناك اختبار جيد واحد على الأقل لتحديد أين يقف الناس: نظرتهم للمستثمر وفاعل الخير الدولي جورج سوروس. وسوروس، مثله كمثل كولناي، يهودي مجري المولد، وقد عاش حياته كبالِغ في بريطانيا والولايات المتحدة. وبعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، فعل سوروس، على نحو أو آخر، ما فعلته وكالات حكومة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أنفق جزءاً كبيراً من ثروته الشخصية على الترويج لقيم الديمقراطية الليبرالية في الدول الشيوعية سابقاً. وكان أحد المستفيدين الكثيرين من سخائه رئيس وزراء المجر الحالي فيكتور أوربان، الذي دَرَسَ في أوكسفورد بمنحة دراسية مولها سوروس.
والآن، يعض أوربان اليد التي أطعمته. وقد وصف  مؤخرا "إمبراطورية سوروس العابرة للحدود" بكونها تهديداً ضارياً لهوية  المجر الوطنية. وهو يعتبر سوروس "مفترساً مدعوما بأطنان من الأموال". والواقع أن أوربان داعية شديد الحماس لما يسمى "الديمقراطية غير الليبرالية"، مثله في ذلك كمثل المستبدين المنتخبين الآخرين في الدول التابعة للاتحاد السوفياتي السابق. وفي كانون الأول (ديسمبر) أعلن أوربان أن "كل بلد يريد أن يقتلع سوروس".
الواقع أن أوربان محق بشأن عدد قليل من البلدان على الأقل. إذ يعتقد زعيم الحزب الحاكم في بولندا، ياروسلاف كاتشينسكي، أن الجماعات التي يدعمها سوروس تريد "مجتمعات بلا هوية". ويذهب ليفيو درانيا الذي يقود الحزب الحاكم في رومانيا إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول إن سوروس "يمول الشر". في حقيقة الأمر، يمول سوروس في رومانيا البرامج التعليمية، والمنح الدراسية الدولية، والمنظمات غير الحكومية التي تساعد في تنظيف البيئة.
يمكن وصف سوروس بأنه تجسيد للغرب كما عَرَّفَه كولناي. فهو يمثل كل من يمقتهم كارهو الأجانب: الأثرياء، والأمميون، والليبراليون المخلصون لما أطلق عليه كارل بوبر، وهو رجل آخر من أصل يهودي من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وصف "المجتمع المفتوح".
عندما كان أعداء المجتمع المفتوح يهددون أوروبا خلال ثلاثينيات القرن العشرين، كان هناك على الأقل أحد النماذج المضادة القوية في بريطانيا، وبشكل خاص في الولايات المتحدة بفضل صفقة فرانكلين روزفلت الجديدة. وكان بوسع ضحايا الاستبداد في أوروبا القارية أن يجدوا الملاذ في "الغرب"، وحتى أولئك الذين لم يتمكنوا من ذلك كانوا يعلمون أن الفاشية والنازية يتصدى لهما أعداء أشداء في لندن وواشنطن.
لكننا نعيش الآن في عالَم مختلف تمام الاختلاف. فقد أدارت بريطانيا ظهرها لأوروبا، رافضة أممية الاتحاد الأوروبي، وهي الآن تتجرع سُم الساسة الذين يعتقدون أن الهجرة تمثل تهديداً وجودياً للهوية الوطنية. ثم هناك انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة، وهو ما اعتبره أوربان فرصة جديدة -"هدية" للمجر. والواقع أن سوروس ظهر في دعاية حملة ترمب بوصفه متآمراً أممياً خسيساً.
كما قدمت نظرة ترمب للهجرة -التي تجلب أولئك "المغتصبين"، و"الإرهابيين"، وما إلى ذلك- دفعة معنوية كبيرة لأعداء الغرب. فالآن، يستخدم مناهضو الليبرالية والمستبدون في مختلف أنحاء العالم نهج ترامب "أميركا أولاً"، وخوفه من الإسلام، وتأييده للتعذيب، وهجماته على وسائل الإعلام الرئيسية، لتبرير إغلاق حدود دولهم وسحق "أعداء الشعب" -بالعنف إذا لزم الأمر.
في هذا المناخ السياسي، يذوي النموذج المضاد للمجتمع المغلق. ويواجه الغرب، كما عَرَّفَه كولناي، تهديداً وجودياً حقاً، ولكن ليس من المهاجرين، أو الإسلام، أو المنظمات غير الحكومية التي يمولها سوروس. بل إن أعداء الغرب الأشد خطورة هم أولئك الناس الذين يزعمون عادة أنهم ينقذونه، مثل أوربان، ومارين لوبان في فرنسا، وخيرت فيلدرز في هولندا، وكاتشينسكي، وترامب.
لكن هناك بالرغم من ذلك أمل وحيد في أوروبا، وكان مصدر هذا الأمل ليدهش كولناي، الذي نشر كتابه في العام نفسه الذي سار فيه جنود هتلر إلى النمسا وتشيكوسلوفاكيا. ربما تكون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد ارتكبت بعض الأخطاء الجسيمة، وخاصة في الطريقة التي تعامل بها الاتحاد الأوروبي مع اليونان، ولكنها كانت أيضاً أشد أبطال أوروبا تحمساً لأفكار الديمقراطية الليبرالية. ولا نملك الآن غير الأمل في صمود ألمانيا، أرض الأبطال السابقة، في آخر الحروب ضد الغرب.

*أستاذ الديمقراطية، وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف العديد من الكتب. منها "جريمة قتل في أمستردام: موت ثيو فان غوخ وحدود التسامح"، و"السنة صفر: تأريخ للعام 1945".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق