إلى أي مدى سيذهب أردوغان في إذكاء أزمة بلده الدبلوماسية مع أوروبا؟

تم نشره في الجمعة 17 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً
  • الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -(أرشيفية)

سكوت بترسون - (كرستيان سينس مونيتور) 14/3/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كثيراً ما أسهمت الأزمات الدبلوماسية في تعزيز شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ويبدو أنه يأمل أن تسفر المواجهة الأخيرة مع أوروبا –خاصة مع هولندا- عن النتيجة نفسها مع جمهوره المحلي.
تدهورت العلاقات بين تركيا وأوروبا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، عندما منعت هولندا وزيرين تركيين من مخاطبة حشود انتخابية، وهو ما دفع السيد أردوغان إلى وصف الهولنديين بأنهم "فاشيون نازيون"، وقال إنهم "سيدفعون الثمن". وواصل الخطاب نفسه يوم الثلاثاء، فلام الهولنديين على عدم وقف مجزرة سربرينيستا التي ارتكبها صرب البوسنة في العام 1995.
على السطح، يجب أن تعزز هذه الأزمة أردوغان. سياسياً، ستجعله يبدو قويناً في وجه تعنت الأوروبيين والمشاعر المعادية لتركيا. كما أنها يمكن أن تساعد في إضافة عنصر انتصار إلى استفتاء صعب للوفاء بحلم شخصي طالما داعب خياله لخلق رئاسة تنفيذية حصينة في تركيا.
لكن من غير الواضح بعد، مدى الشوط الذي سيذهب إليه الصدام، نظراً لروابط تركيا الاقتصادية الوثيقة مع أوروبا، ووضعها كحليف في حلف شمالي الأطلسي، وطرف في مصالح مشتركة، من سياسات الهجرة إلى محاربة "داعش".
في إطار الأزمة التي سُميت "أزمة التيوليب" -لأن كلا البلدين يشتركان في حب زهرة التيوليب، وهي الزهرة التي تشتهر بها هولندا حالياً لأنها جاءتها لأول مرة من تركيا الحالية في القرن السادس عشر- فرضت تركيا عقوبات دبلوماسية معتدلة على هولندا من دون أن تفرض عقوبات اقتصادية يكون من شأنها تقويض أكبر مصدر لاستثمارها الأجنبي.
يقول بهلول أوزكان، أستاذ العلاقات الدولية المشارك في جامعة مرمرة في اسطنبول: "من المؤكد أن الحكومة التركية تحاول استخدام هذه الأزمة كأداة في عملية الاستفتاء. إنه تكتيك بسيط جداً: كرامتنا القومية تتعرض للهجوم من أوروبا. هذه هي الحجة، وسوف يقف غير ناخبو حزب العدالة والتنمية متحدين. وقد آتى هذا التكتيك أكله في الماضي مع إسرائيل وروسيا. ومع ذلك، في هذه الحالة أشك بأنه سيعمل كما خُطط له... لأن للمجتمع التركي علاقة مهمة مع أوروبا".
وقف التجمعات
الأزمة الدبلوماسية -التي تحركت خلالها ألمانيا والنمسا والدنمارك لإلغاء عقد التجمعات التركية على أراضيها- تأتي في لحظة محورية بالنسبة للحكومة التركية في الوطن وفي الخارج على حد سواء.
فمن المقرر أن تصوت تركيا يوم 16 نيسان (أبريل) المقبل على تمديد الصلاحيات الرئاسية لأردوغان. ولهذه الغاية، يريد حزب العدالة والتنمية الحاكم استقطاب الدعم من بين 3 ملايين تركي يعيشون في أوروبا لضمان التصويت بـ"نعم". وتشير استطلاعات الرأي إلى وجود انقسام حالياً بين المؤيدين لاقتراح أردوغان وبين المعارضين.
حاول أردوغان تعزيز دعمه في أوساط الأتراك المتمركزين في الخارج عبر إرسال مسؤولين حكوميين لعقد وحضور تجمعات في أوروبا. وبينما منعت بعض البلدان هذا التوجه، قال الهولنديون بشكل خاص إن هناك دواعٍ أمنية للمنع عشية انتخاباتهم العامة يوم 15 آذار (مارس)، والمتوقع أن يحقق فيها السياسي المعادي للإسلام من أقصى اليمين، غيرت فيلدرز، تحسناً في موقفه.
وكانت السلطات الهولندية قد طلبت من تركيا إرجاء عقد التجمعات، لكن تركيا أصرت على وجوب إقامتها الآن. وفي المقابل، ألغى الهولنديون حقوق هبوط الطائرة التي تقل وزير الخارجية التركي، ثم رافقوا إلى ألمانيا وزيرة الأسرة التركية التي حاولت الوصول إلى روتردام بالسيارة. واستخدمت شركة مكافحة الشغب الهولندية مدافع المياه والكلاب لتفريق الجموع المحتشدة المحتجة، مما أنتج صوراً للاشتباكات غذت وسائل الإعلام القومية التركية. وكانت تركيا قد سجلت احتجاجات رسمية عدة لدى الدبلوماسيين الهولنديين، بينما اتهم أردوغان هولندا بأنها لا تعدو كونها "جمهورية موز" و"موطناً للنازية".
لكن تركيا تطلعت، على الرغم من الاتهامات، إلى عضوية الاتحاد الأوروبي منذ عقود. وقد تعثر ذلك الطموح بسبب أسئلة أثارها بعض القادة الأوروبيين في الماضي عن انضمام الدولة المسلمة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي -وهي شكوك تضاعفت بسبب تراجع تركيا عن طائفة من الأعراف الديمقراطية، وبسبب تكتيكات أردوغان الاستبدادية.
كما يقلق تركيا ما تراه وعوداً لم يف بها الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بسفر المواطنين الأتراك في أوروبا من دون تأشيرة، كجزء من صفقة أوقفت بموجبها تركيا تدفق المهاجرين إلى أوروبا عبر تركيا من سورية وغيرها في وقت مبكر من العام 2016. وتقول تركيا الآن إن ثمة احتمالاً لإعادة النظر في صفقة المهاجرين.
في الأسبوع الماضي، منعت ألمانيا أيضاً وزير الخارجية التركي مولود شاوش أوغلو من مخاطبة حشد جماهيري. وعندما سمح له بالتحدث يوم الأحد في حشد في ميتز، وصف الوزير التركي هولندا بأنها "عاصمة الفاشية".
كتب مراد يتكين، كاتب العمود في صحيفة "حريات ديلي نيوز" التركية اليومية الناطقة بالانكليزية: "ربما أعطت العداوة الراهنة زخماً لحملة حزب العدالة والتنمية الذي يفتقر إلى الحماس المطلوب حتى الآن". وقال إن الاستراتيجية "جاءت بسعر مكلف هو ضربة أخرى" وجهت إلى سمعة تركيا.
لكن المسؤولين الأتراك يعزون النزاع إلى ما يعتبرونه جزءاً أعرض وأوسع من سرد طويل الأمد بسبب صعود القوة التركية. وثمة بعض البلدان الأوروبية تدعم التصويت بـ"لا" في الاستفتاء، وهي "ممسكة بالعنصرية التي تتجسد في رهاب الخوف من الأجانب ورهاب الخوف من الإسلام" تجاه الأتراك، كما أشار النور شيفيك، أحد مستشاري أردوغان، في مقال في صحيفة الصباح التركية الوالية للحكومة.
وكتب تشفيك أن ائتلافاً بقيادة ألمانيا "يشعر بعدم الارتياح من احتمال أن تصبح تركيا نجماً ساطعاً تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، وقد حاول كل شيء لوقفه".
حدود القومية
في العقد الماضي، تحول أردوغان إلى استخدام الكلام الطنان في هذه المناكفات الدبلوماسية. ففي العام 2010، اقتحم جنود كوماندوز إسرائيليون السفينة التركية مافي مرمرة التي سعت إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، ولنقل مساعدات إنسانية للقطاع، مما أسفر عن مقتل تسعة ناشطين أتراكاً، بمن فيهم مواطن يحمل جنسية تركية-أميركية مزدوجة. وخلال عشية وضحاها، جفت عقود من الروابط التركية-الإسرائيلية، وتقلص عدد السياح الإسرائيليين -الذي كان قد بلغ أوجاً عند 56.000 سائح في العام 2008 قبل حرب غزة في العام 2008-2009"، كما هبطت حصة إسرائيل من السياح الأتراك بواقع 3 بالمائة، وتراجعت إلى 0.05 في المائة.
وبالمثل، أثار إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية كانت قد ضلت طريقها ودخلت المجال الجوي التركي لبضع ثوان في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2015، رد فعل شديداً من موسكو ورد فعل مضاداً عنيفاً من جانب أنقرة. وبينما دافع المسؤولون الأتراك بداية عن ذلك العمل، ردت روسيا بفرض عقوبات على المنتجات التركية، وحظرت سفر المجموعات السياحية الروسية إلى تركيا -وهي  مصدر دخل رئيسي للمنتجعات التركية على البحر الأبيض المتوسط والتي تنقصها السيولة.
في كلتا الحالتين، كانت الكلفة على تركيا هي الأصعب على صناعة السياحة، لكن البلدين حسنا علاقاتهما منذئذٍ بعد اعتذار إسرائيلي لأردوغان واعتذار أردوغان لروسيا. لكن، وفي تناقض مع الأزمات الأسبق، تأثرت روابط تركيا مع أوروبا أكثر لتمتد إلى ما هو أكثر من السياحة.
تعتبر هولندا من أكبر شركاء تركيا التجاريين في أوروبا، حيث تضاعف حجم التجارة بينهما ثلاثة أضعاف في العقد الماضي ليبلغ 6.6 مليارات دولار في السنة الواحدة، وفق وكالة رويترز، وارتفع بواقع 22 مليار دولار في استثمارات مباشرة في تركيا من العام 2002 إلى العام 2015 -وهو ما يعادل 16 في المائة من إجمالي الحصة. وكان حوالي 900.000 سائح هولندي قد زاروا تركيا في العام الماضي، هابطين من 1.2 مليون سائح زاروها في العام الذي قبله.
هذه الأرقام مهمة بالنسبة لتركيا؛ حيث الاقتصاد ينكمش هذه الأيام بعد أن أصبحت تركيا ضحية لسلسلة من الهجمات العنيفة التي شنها "داعش" ومتشددو حزب العمال الكردستاني في العام الماضي، بالإضافة إلى وجود حوالي 2.7 مليون لاجئ سوري داخل تركيا وهبوط قيمة الليرة التركية. وبشكل إجمالي، تراجع الاستثمار المباشر بنسبة 54 في المائة في النصف الأول من العام 2016 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.
قد تفسر هذه الإحصائيات لماذا عمد حزب العدالة والتنمية إلى عدم فرض عقوبات اقتصادية على هولندا بالرغم من الخطاب الساخن المعادي لهولندا. وقد أشار قائد المعارضة التركية الرئيسية، كمال كليتشداروغلو، إلى عدم التساوق في ذلك، وقال أن الإجراء الهولندي "يصيب كرامتنا"، لكن حزب العدالة والتنمية يرد بـ"مجرد كلام".
وقال زعيم حزب الشعب الجمهوري: "إذا أردت أن تفعل شيئاً فافعله. قال حزب العدالة والتنمية أنه سيرد بإجراءات مضادة قوية. كيف؟ يقولون: ’انتظروا حتى 16 نيسان (أبريل)‘. لماذا؟... لقد ملّت هذه الأمة من الكلام".
خلال وجوده في السلطة منذ 15 عاماً، عول أردوغان وحزبه على رجال الأعمال ومشاريع البناء الضخمة كوسيلة لكسب الأصوات. وعلى الرغم من تفاقم سوء المؤشرات الاقتصادية، ما تزال تركيا تؤثر حتى الآن الروابط المالية على الرد القومي. ويقول أوزكان: "نصف الصادرات التركية تقريباً تذهب إلى أوروبا؛ وحجم تجارة تركيا مع أوروبا عالٍ جداً"
ويضيف: "حتى أنصار حزب العدالة والتنمي يعون أن علاقات تركيا مع أوروبا لا يمكن أن تتغير بشكل كبير في المستقبل القريب". ويخلص إلى القول: "يدرك الناس أن الاقتصاد التركي يعاني من مشكلة كبيرة، وأن الأزمة مع أوروبا لن تحل المشكلة بل ستجعلها أسوأ".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
How far will Erdogan go in fanning Turkey’s diplomatic crisis with Europe?

التعليق