جميل النمري

التحالف التقدمي العالمي

تم نشره في الجمعة 17 آذار / مارس 2017. 12:09 صباحاً

شاركت خلال اليومين الماضيين في ملتقى إشهار "التحالف التقدمي العالمي" في برلين. كان التجمع في ضيافة الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني ضخما بالفعل. أحزاب وهيئات من أكثر من 120 بلدا، وبوجود قيادات سابقة أو عاملة الآن في مواقعها من رؤساء دول وحكومات ووزراء وقادة أو ممثلي أحزاب، وإن لم تكن تعرف وجوههم شخصيا فلن تميز رئيس حكومة عن أي عضو عادي.
وقد جلست إلى جانب رئيس وزراء السويد في عشاء الاستقبال، ولم أتوجه له بكلمة لأنني انشغلت بممثل الحزب الاشتراكي اليمني، حتى رأيته على منصة المتحدثين في الجلسة الأولى صباح أمس. بينما منع إضراب مطار برلين حضور عدد من القادة الذين تزامن موعد طائراتهم مع توقيت الإضراب.
لعل هذا النمط من الحضور لمسؤولين، بوصفهم المستمر كمناضلين سياسيين قبل وبعد المسؤوليات الرسمية إلى جانب رفاقهم في الحزب، يعكس الثقافة التقدمية في هذه البيئة، وهي كانت موجودة، ولكن الإدمان على السلطة والمناصب قاد إلى فتورها، وفي هذا المؤتمر رأيناها تعود بقوة، فقد عادت للأحزاب قضية قوية جامعة، وهي مواجهة الشعبوية اليمينية الصاعدة بقوة، لإنقاذ أوروبا من مستقبل مجهول، وفي ذهن الجميع السابقة المخيفة لصعود النازية والفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي أدخلت أوروبا في أتون الحرب العالمية الثانية.
هذا الأمر سيطر على جو المؤتمر، حتى أن مواضيع التطرف والإرهاب لم تذكر إلا لماما في السياق، لأن القضية الآن ليست الهجوم على التطرف والإرهاب،  بل الجهة التي استفادت منهما وتغذت على نشر الخوف ووضع خطة يمينية متطرفة لأوروبا تأخذ بلدانها للنزعة القومية والانعزال والعداء للعالم الثالث، خصوصا العرب والمسلمين. إن فضح هذه الأجندة وبيان مخاطرها الكارثية هو الهاجس الأول للأحزاب الأوروبية الآن.
التخوم بين القوى التقدمية من جهة، وقوى اليمين والرجعية، كانت ذات يوم واضحة وجلية، ثم، ومع الوقت، تغير العالم، وتغير معه نوع التحديات، ولم تعد أسس التمايز تنطبق بالطريقة نفسها. على سبيل المثال، كان برنامج فرانسوا ميتران للرئاسة الفرنسية في السبعينيات يشمل "تأميم البنوك"، واليوم بات الاعتراض على خصخصة ما قد يكون تبقى من ملكية عامة هو موقف رجعي وتفكير متحجر خارج العصر. وقد أتت ثورة المعلوماتية لتعصف بما تبقى من تفكير اقتصادي واجتماعي تقليدي، بما في ذلك مفهوم الصراع بين الطبقات. لقد زحفت جميع الأطراف إلى الوسط، وباتت التباينات غائمة.
ولدينا أيضا تغيرت المفاهيم، فقد كان الإخوان المسلمون يصنفون كقوة رجعية وإحدى أدوات الغرب والأنظمة الرجعية في مواجهة القوى التقدمية. لكن الأوراق اختلطت مع نهاية السبعينيات مع بروز الإسلام السياسي كقوة معارضة رئيسة للأنظمة الاستبدادية، وأيضا للغرب، وتهمشت القوى اليسارية والقومية، ولم تتمكن الليبرالية من شق طريق مستقل إلا كملحق لسياسة الأنظمة بتقديم الليبرالية والانفتاح الاقتصادي على الديمقراطية والانفتاح السياسي.
اختلاط الأوراق وتبدل المعايير شمل العالم المتقدم كما العالم الثالث سواء بسواء، مع اختلاف القصة والمسار لكل بلد ومنطقة. بروز التطرف والإرهاب ثم أحداث الربيع العربي الذي غرق بالدم والخراب، أعاد طرح الأسئلة كلها، والنتائج العيانية تشير إلى البرنامج البديل الذي لا توجد له قوة كافية على الأرض تحمله، وهو برنامج المدنية والمواطنة والديمقراطية والعدالة لضمان وحدة الدولة الوطنية ووحدة الشعب، وفتح المسار الآمن لتقدمه، والتخلص من الولاءات الفرعية المذهبية والطائفية والإثنية التي أصبحت الآن أساس الانقسامات والحروب الوحشية.
التقط كثيرون هذا الاستنتاج، وهناك مخاض لبلورة قوى سياسية عربية تحمل، موحدة، هذا البرنامج. وفي الأردن، هناك اليوم جهود وتحركات لمشروع سياسي يضم كل من يؤمن بهذا الطريق لبلدنا والعالم العربي، وقد شارك في مؤتمر برلين عدد جيد من القوى السياسية، ساهمت في بلورة الفكرة منذ البداية، كما أنها تسعى لبناء تحالف تقدمي عربي.
التحالف التقدمي العالمي هو فكرة جديدة لتقديم أجندة عالمية إنقاذية في مواجهة الظواهر الخطيرة الجديدة التي تهدد وحدة أوروبا والسلام والأمن والتضامن وتعيد العالم إلى الأسوأ، وهناك انتخابات قادمة في عدة دول أوروبية، وجاء الامتحان الأول في انتخابات هولندا، حيث تقدم اليمين الشعبوي، لكنه فشل لحسن الحظ في تحقيق أغلبية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"التحالفات العالمية" (يوسف صافي)

    الجمعة 17 آذار / مارس 2017.
    القارئ في غور السياسات العالمية بكافة مسمياتها ومخرجاتها وعديد مصطلحاتها الجميلة من هذاالتيّار وذاك ؟؟لايجد من الجدوى لمثل تلك التحالفات طالما تم استدراجها الى حيث المربع الأول من توجهاتها تحت ستار الإنقاذ وإشغالها من خلال مزاوجة بعض مخرجات الرأسمالية المتوحشه والإشتراكية المحبطة التي بوجهة نظري ولكل راي ورؤية "اشبه بمن زاوج الآتان مع حصان مهجّن من باب لعلى وعسى ان تلد مهرا اصيلا يسّرالناظرين " الإنقاذ يحتاج الى سياسة الثوابت بعيدا عن سياسة المصالح والحسابات المادية والهوى الرغائبي التي فتكت في المجتمعات واودت بها الى بناء الحواجز المادية والبشرية والطبقية المقيته ؟؟؟ استاذ جميل على المستوى العالمي لم تفلح وحتى في اقرب السبل علاقة مايين البشر العلاقات التجارية ان تفرز قانون جامع كعقد مابين اطرافه (على سبيل المثال لاالحصر مازال كل من المتعاقدين يصّر على الترجمة بلغته)؟؟؟؟ ناهيك عن النتائج الكارثية على المجتمعات (15% الأغنياء مقابل 85% فقراء متخمين بالديون ) مايحتاجه العالم قانون ناظم منزوع الهوى المصلحي المادي الرغائبي؟؟؟ "يا أيها الناس ان خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير" صدق الله العظيم ؟؟اكرمكم عند الله "اتقاكم "استاذ اكرم وليس اكثركم قوة ومال وما الى من زخرف الحياة وهو الأدرى بخلقه وخلافهم وأسباب اختلافهم ؟؟والفيصل لعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان العلاقة مع خالقه (تشريعه) وهو الناظم لديمومة الحياة حيث فطر الإنسان على حب أخيه الإنسان" "ولافرق بين عربي ولااعجمي ولاابيض ولا اسود الإ بالتقوى"وصدق خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وتسليمه جميعا"