محمد برهومة

تحليل الزعماء ومنهجيات صناعة القرار

تم نشره في الجمعة 17 آذار / مارس 2017. 12:06 صباحاً

منذ زمن ابتعد خبراء ومنظّرو علم السياسة والعلاقات الدولية عن التعويل على التحليل النفسي للقادة والتركيز على طفولتهم وأصولهم الاجتماعية والطبقية ونشأتهم الأولى، وما انطوت عليه من عُقد نفسية واعتلال اجتماعي وعاطفي، لتفسير ميولهم السياسية؛ لا سيما جنوح بعضهم نحو الديكتاتورية واستخدام العنف المفرط للتعويض عن تلك العلل، ومن ذلك جنون العظمة وشهوة السلطة وحكم الفرد والتخلص من الخصوم والأعداء.
جرى تجريب ذلك مع تحليل شخصيات أدولف هتلر وجوزيف ستالين وجمال عبد الناصر وصدام حسين وغيرهم، وقد انطوى ذاك التجريب على ثغرات علمية ومبالغة وعدم دقة. اليوم لم يعُد التحليل النفسي والاجتماعي للزعماء، على ذلك المنوال، مادة علمية موثوقة للوصول إلى تفسيرٍ منهجي متماسك وعميق للسياسة الخارجية لبلد ما، وصناعة القرار فيه.
 لكن، في المقابل، فإنه مع صعود زعماء من أمثال دونالد ترامب وفلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، وبدرجة أقل بنيامين نتنياهو، وكون أوروبا على موعد مع زعامات يمينية شعبوية، فإن الطلب على تحليل القادة في حقل تحليل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ينتعش مجدداً من قِبَلِ أرقى الجامعات و"مراكز التفكير والأبحاث" في العالم، غير أن ذلك يتم بمفهوم منهجي جديد وسياق علمي مختلف عن السابق.
حالياً يجوز الحديث عن اتجاه عنوانه العريض أثر البعد الشخصي للزعماء في تحليل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ودراسة كيفية صناعة القرار. ومع أن هذا الحقل يتنامى منذ سنوات، فإن مجيء ترامب "من خارج المؤسسة" وكمتمرد عليها، عزز من أهمية فهم وتحليل البعد الشخصي لترامب في سياق مقاربة وتوقع السياسة الخارجية لإدارته، التي فيها مسؤولون لا يكتمون رغبتهم في إعادة تشكيل أميركا والعالم من جديد، وهذا محلّ خطورة في ظل رئيس مفرط الثقة في قدرته على إعادة هندسة أميركا والعالم.
ثمّ إنّ الطلب على تحليل القادة اكتسب زخماً إضافياً في ظل تنامي الهواجس من تراجع قدرة المؤسسات الأميركية على لجم "تمرد" ترامب على التقاليد الراسخة. ولأن صفة "التمرد" مقرونة بصفات من قبيل أن ترامب (وكذلك بوتين وأردوغان إلى حدّ ما) "غير متوقَّع" ولديه القدرة المستمرة على "المفاجأة"، فإن تحليل طريقته في التفكير عند صناعة القرار ومعرفة أولوياته وخياراته وأهدافه واستراتيجيته تتطلب منهجيات جديدة غير تقليدية، ولعل من أبرز هذه المنهجيات الصاعدة في الفهم والتفسير والتوقع نظرية المباريات أو اللعبة (Game Theory) في العلاقات الدولية ونظرية تحليل القادة من خلال خطاباتهم.
ميزة المنهجيات الجديدة أنها تحاول تقديم بدائل أكثر ثقة؛ في ظل تراجع قدرة علم السياسة التقليدي واستطلاعات الرأي وأدوات التحليل الكلاسيكية عن التوقّع ورسم سيناريوهات مستقبلية ذات صدقية عالية. هذه المنهجيات يتحسّن أداؤها طردياً بتوافر المعلومات الوافية عن القادة، لكنها تُقدّم "أفضل تخمين" عن سلوكهم السياسي وتفضيلاتهم المتوقعة في حال كانت المعلومات عنهم شحيحة. كل ذلك بالتأكيد محوره قياس أوزان القوة في وضع سياسي محدد.
إن تصاعد الأثر الشخصي للزعماء في العلاقات الدولية المترافق مع تراجع مكانة المؤسسات الدولية في التحكم في مخرجات السياسة قد يُنتِج قواعد جديدة في النظام الدولي والعلاقات بين الدول وقياس أوزان القوة للاعبين، ومن المهم تطوير المنهجيات والمعارف التي تُسعف في الفهم الاستباقي لهذه الظاهرات والسعي لتحجيم مخاطرها، ومن بعض تلك المخاطر الانكفاء عن الديمقراطية الليبرالية، وأن يكون الزعماء أقوى من المؤسسات. لعل هذا يفرض على مؤسسات صنّاعة القرار في العالم العربي تطوير أدواتها لفهم وتفسير تعقيدات المشهد الدولي، ومحددات صناعة القرار لدى الأطراف المختلفة، لتحديد أنماط الاستجابة و"تَوْزِين" الفرص والتحديات والكُلَف بكفاءة أفضل.

التعليق