كيف ننجو في عصر ترامب!

تم نشره في السبت 18 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

جوزيف ستيغليتز*

نيويورك - في غضون فترة لا تكاد تتجاوز الشهر، تمكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من نشر الفوضى وعدم اليقين -ودرجة من الخوف كانت لتجعل أي إرهابي فخورا بنفسه- بوتيرة مذهلة. وليس من المستغرب أن يناضل المواطنون وكبار رجال الأعمال والمجتمع المدني والحكومة في محاولة الاستجابة لهذه الحال على النحو اللائق وبفعالية.
أي وجهة نظر في ما يتصل برسم الطريق إلى الأمام لا بد أن تكون مؤقتة بالضرورة، لأن ترامب لم يقترح بعد تشريعات تفصيلية، ولم يستجب الكونجرس ولا المحاكم بشكل كامل حتى الآن لوابِل من أوامره التنفيذية. ولكن الاعتراف بعدم اليقين ليس مبرراً للإنكار.
بل على العكس من ذلك، بات من الواضح الآن أن تصريحات ترامب وتغريداته على موقع تويتر لا بد أن تؤخذ على محمل الجِد. ففي أعقاب الانتخابات في تشرين الثاني (نوفمبر)، كان هناك أمل شِبه عالمي بأنه سيتخلى عن التطرف الذي اتسمت به حملته. وكان من المتصور بكل تأكيد أن سيد عدم الواقعية قد يتبنى شخصية مختلفة عندما يتولى المسؤولية الرهيبة المترتبة على شغل ما يُسمى غالبا المنصب الأكثر قوة في العالَم.
الواقع أن شيئاً مشابهاً يحدث مع كل رئيس جديد للولايات المتحدة: فبصرف النظر عن تصويتنا لصالح شاغل المنصب الجديد من عدمه، فإننا نُسقِط عليه الصورة التي نريده أن يكون عليها. ولكن في حين يرحب أغلب المسؤولين المنتخبين بكونهم كل شيء لكل الناس، لم يترك ترامب أي مجال للشك في اعتزامه القيام بما قال إنه ينتوي القيام به: فرض الحظر على المهاجرين المسلمين، وبناء جدار على الحدود مع المكسيك، وإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وإلغاء إصلاحات دود-فرانك المالية للعام 2010، وأمور أخرى كثيرة رفضها حتى مؤيدوه.
لقد انتقدت في بعض الأحيان جوانب بعينها من النظام الاقتصادي والأمني الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي استند إلى الأمم المتحدة، ومنظمة حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، وشبكة من المؤسسات والعلاقات الأخرى. ولكنّ هناك فارقاً كبيراً بين محاولات إصلاح هذه المؤسسات والعلاقات لتمكينها من خدمة العالَم على نحو أفضل، وأجندة تسعى إلى تدميرها بالكامل.
ينظر ترامب إلى العالم باعتباره مباراة محصلتها صِفر. وفي واقع الأمر، تُعَد العولمة إذا ما أديرت على نحو جيد قوة محصلتها إيجابية: فأميركا تكسب إذا أصبح أصدقاؤها وحلفاؤها ــ سواء أستراليا أو الاتحاد الأوروبي أو المكسيك ــ أكثر قوة. ولكن النهج الذي يتبناه ترامب يهدد بتحويلها إلى مباراة محصلتها سلبية: وسوف تخسر أميركا أيضا.
كان ذلك النهج واضحاً منذ ألقى خطاب تنصيبه، حيث دأب على استحضار شعار "أميركا أولاً"، بكل ما يحمله من إيحاءات فاشية تاريخية، وأكَّد على التزامه بتنفيذ أبشع مخططاته. وكانت الإدارات السابقة تتعامل بشكل جدي دائما مع مسؤوليتها عن تعزيز مصالح الولايات المتحدة. ولكن السياسات التي لاحقتها كانت تُصاغ عادة في إطار فهم مستنير للمصلحة الوطنية. وكانت تعتقد أن الأميركيين يستفيدون من اقتصاد عالمي أكثر ازدهارا وشبكة من التحالفات بين دول ملتزمة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون.
إذا كانت سحابة ترامب تنطوي على أي جانب مضيء فهو حِس التضامن الجديد حول قيم أساسية مثل التسامح والمساواة، والتي يدعمها الوعي بما يجسده ترامب وفريقه، سواء بشكل مستتر أو صراحة، من تعصب وبغض للنساء. وقد اكتسب هذا التضامن طبيعة عالمية، حيث يواجه ترامب وحلفاؤه الرفض والاحتجاجات في مختلف أنحاء العالَم الحر.
في الولايات المتحدة، أظهر الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، بعد أن توقع مسارعة ترامب إلى وطء الحريات المدنية، أنه على استعداد كأي وقت مضى للدفاع عن المبادئ الدستورية الأساسية مثل المحاكمة العادلة، والحماية المتساوية، والحياد الرسمي عندما يتعلق الأمر بالدين. وفي الشهر الماضي، دعم الأميركيون الاتحاد الأميركي للحريات المدنية بالملايين من الدولارات في هيئة تبرعات.
وعلى نحو مماثل، أعرب موظفو الشركات وعملاؤها في مختلف أنحاء البلاد عن قلقهم إزاء كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات وأعضاء مجالس الإدارة الذين يدعمون ترامب. والواقع أن قادة الشركات الأميركية والمستثمرين كمجموعة أصبحوا عوامل مساعدة لترامب. ففي الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام، سال لُعاب كثيرين أمام وعوده بخفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية، في حين تجاهلوا بكل حماس تعصبه -الذي لم يُذكَر في أي من الاجتماعات التي حضرتها- ونزوعه إلى فرض تدابير الحماية.
وكان الأمر الأكثر إثارة للقلق والانزعاج الافتقار إلى الشجاعة: فكان من الواضح أن العديد من أولئك المهتمين بترامب يخشون رفع أصواتهم، خوفا من استهدافهم (وأسعار أسهم شركاتهم) بإحدى تغريداته. والواقع أن انتشار الخوف من السمات المميزة للأنظمة الاستبدادية، ونحن الآن نشهد انتشاره في الولايات المتحدة للمرة الأولى في حياتي كرجل بالِغ.
ونتيجة لهذا، أصبحت أهمية سيادة القانون، التي كانت ذات يوم مفهوماً مجرداً في نظر العديد من الأميركيين، ضرورة ملموسة. ففي ظل سيادة القانون، إذا كانت الحكومات راغبة في منع الشركات من نقل التصنيع والخدمات إلى الخارج، فإنها تعمل على استنان التشريعات وتبني القواعد التنظيمية لخلق الحوافز الملائمة وتثبيط السلوك غير المرغوب. وهي لا تستأسد على شركات بعينها أو تهددها ولا تصور اللاجئين المنكوبين وكأنهم تهديد أمني.
كانت وسائل الإعلام الرائدة في أميركا، مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، ترفض حتى الآن تطبيع نكران ترامب للقيم الأميركية. فليس من المعتاد أن يحكم الولايات المتحدة رئيس يرفض استقلال القضاء؛ ويضع في محل كِبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين في صميم عملية صُنع السياسات الأمنية الوطنية متعصباً من وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة؛ ويروج لمشاريع ابنته التجارية في حين كانت كوريا الشمالية تجري أحدث اختباراتها للصواريخ الباليستية.
ولكن، عندما ينهمر علينا وابل متواصل من الأحداث والقرارات التي تفوق كل الحدود، فمن السهل أن يصيبنا الخدر ونبدأ في النظر إلى ما وراء انتهاكات السلطة في انتظار صور هزلية أشد وطأة. وسوف يتمثل أحد التحديات الرئيسية في هذا العصر الجديد في اليقظة المستمرة، والمقاومة كلما وحيثما لزم الأمر.

*حائز على جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية للعام 2001، وميدالية كلارك جون بيتس في العام 1979، وأستاذ جامعة في جامعة كولومبيا، الرئيس المشارك لفريق خبراء رفيع المستوى حول قياس الأداء الاقتصادي والاجتماعي والتقدم في منظمة التعاون والتنمية، ورئيس الشؤون الاقتصادية في معهد روزفلت. وهو نائب الرئيس السابق وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي ورئيس مجلس الرئيس الأميركي للمستشارين الاقتصاديين في عهد بيل كلينتون. أسس في العام 2000 مبادرة حوار السياسات، وهو مؤسسة بحثية في مجال التنمية الدولية التي يوجد مقرها في جامعة كولومبيا. كتابه الأخير هو "اليورو: كيف يمكن لعملة موحدة أن تهدد مستقبل أوروبا".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق