د.باسم الطويسي

الوطنيات الجديدة المتخيلة

تم نشره في السبت 18 آذار / مارس 2017. 01:08 صباحاً

هل ثمة علاقة بين تنامي ظاهرة الشعبوية السياسية وبين عودة الهويات الوطنية الحادة؟ وهل من علاقة بين قوة تيار الزعماء الكبار أمثال بوتين وأردوغان وترامب وبين ظاهرة الانحراف السياسي التي تعود جذورها إلى القرن الماضي، أي منذ الريجانية  والثاتشرية وصولا إلى سلالة بوش وترامب؟ وأخيرا، هل ثمة علاقة بين الشعوبية الجديدة والفراغ الأيديولوجي الذي لم تستطع تيارات العولمة ولا التيار المضاد لها ولا تيارات الخضر ولا الطريق الثالث ملأه؟
لا يمكن فهم الحتميات الايديولوجية والسياسية بدون فهم الحتميات التكنولوجية؛  بمعنى لا يمكن فهم التحولات العميقة في السياسة والاقتصاد والمجتمع بدون فهم النسيج الضخم من المعارف التي كونتها الرسائل المتبادلة بين البشر وبأي وسيلة تنقل وبأي تأثير. بمعنى، كيف عملت تكنولوجيا الاتصال والإعلام الرقمي على لعب دور ايديولوجيا العصر الجديد. إنها الأداة التي تشكل الطريقة التي يصوغ من خلالها الزعماء الجدد صورتهم ويستمدون من خلالها قوتهم، وهي القوة التي تقرر في لحظات الحسم، وهي الايديولوجيا التي تلتهم الديمقراطية.
اكتسب ملايين البشر شعورهم الوطني، وما يتبعه من أحاسيس بالهوية والمواطنة، عندما وضعتهم الكتب والصحف في اهتمام مشترك مع بعضهم بعضا. كان ذلك حينما كانت الكتب والصحف هي زاد النخب التي تشكل الرأي العام. حينها قاد التطور السياسي الى نشأة "الدولة القومية"  في القرن الثامن عشر. بينما فتحت الإذاعة النافذة السحرية للخيال في دغدغة مشاعر الانتماء للجماعة والإحساس بالهوية وتحفيزها والصراع حولها، وقام التلفزيون بصياغة القيم التي حددت الهوية الوطنية وجسدتها بشكلها المعاصر. وبفضله ظهر اكبر تناقضين في القرن العشرين؛ العالم الحلم والعالم المخيف. اليوم، يعمل الإعلام الرقمي والبيئة الجديدة للإعلام على خلط الأوراق، وفتح منافذ متعددة لصناعة ثقافات متخيلة، ودغدغة أحلام الهويات المبعثرة.
تشكل نماذج دول ومجتمعات أوروبا الشرقية، في حالتي الاندماج في عهد الكتلة الشرقية وفي عهد الدولة الجديدة، أمثلة قريبة لهذا الدور؛ إذ ثبت من تجارب هذه الشعوب أن الإعلام الموجه من قبل الدولة، وتحت وطأة القمع الممارس من قبلها، لم يكن كافياً لترسيخ عواطف وطنية جامعة، وإنشاء هوية على أسس أيديولوجية، كما هو الحال في الإعلام الوافد من الخارج عبر التمويل والمنح المبرمجة الذي سعى إلى خلق ثقافة متخيلة، بل أثبتت الوقائع أن الثقافات المحلية والإقليمية قد استخدمت وسائل الإعلام في إعادة تشكيل الهويات الوطنية، وبسرعة تجاوزت التوقعات، وهو ما يتحدث عنه اليوم ما يسمى بتيار "عودة الأوطان" في أدبيات ما بعد الحداثة، ليس في أوروبا الشرقية، بل في ثقافات محلية وهويات بائدة استعادت مكانتها بفضل استخدامها المكثف للإعلام.
تعمل وسائل الإعلام الرقمي على أكثر من مستوى في التوحد والدمج والتجزئة والتفتيت؛ فالتطبيقات التكنولوجية الجديدة، وقدرة شبكة الإنترنت، لا تتوقف على قوتها في نشر الوعي بالهوية وتقريب الناس وتقليل شأن عنصر المكان كوعاء للهويات الوطنية، وبروز هويات جديدة  تتجاوز الحدود، بل تمتد إلى صناعة الهويات المتخيلة.
الاستنتاج الأول في جدل الثقافات المتخيلة واللعب بالثقافات الراكدة، يبدو في أن الهويات المشكلة بعناية والمصاغة حسب قوالب الدولة، هي هويات في خطر ما لم تشهد إنماء يدخل إلى عمق المجتمع. والاستنتاج الآخر الذي لا يقل خطورة، هو أن الهويات التي تسعى إلى تشكيلها ثقافات متخيلة قادمة من وراء البحار على أكتاف وكلاء محليين لا قيمة ولا أثر لها، إلا في خلق الفوضى المؤقتة.

التعليق