تدريس الأولاد المهاجرين في السويد كان تجربة تثقيقية كاشفة

تم نشره في الأحد 19 آذار / مارس 2017. 01:10 صباحاً
  • طلبة من أبناء اللاجئين السوريين في مدرسة بالسويد - (أرشيفية)

جواكيم زاندر* - (ديلي بيست) 10/3/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

دهشت مثل معظم السويديين من المكانة المرموقة التي احتلتها دولتي في النقاش السياسي الأميركي في الأسابيع الأخيرة. ولسوء الطالع، لم أندهش من محتوى النقاش الذي تبع ذلك. كان النقاش الأميركي مجرد جمود آخر في الحرب المتخندقة نفسها التي وضعت فيها السويد والعديد من الدول الأخرى على مدى الأعوام القليلة الماضية.
إنه الخليط نفسه من أنصاف الوقائع وأنصاف الحقائق والآراء. الأصوات المغضبة نفسها. عدم الاهتمام الأصيل نفسه في الكيفية التي تؤثر الهجرة من خلالها فعلياً في المجتمعات. الحنين نفسه، والفكرة الزائفة القائلة إن دولنا سكونية. وربما الأكثر أهمية الجهل العميق نفسه والأصيل بالناس الذين هم في قلب القضية، والمناطق التي يعيشون فيها.
بينما كنت عاكفاً على كتابة روايتي الأحدث، أصبحت منخرطاً في مشروع كتابة في ضاحية روزنغارد التي تسكنها غالبية من المهاجرين، والتي تقع في مدينة مالمو السويدية الجنوبية. ومع أن الضاحية ضعيفة وفقيرة وموحشة، فإن مالمو تشكل البوابة الطبيعية لأوروبا القارية، وبمحلاته المغبرة على الزوايا، وبسطات الفلافل، والأسواق في الهواء المفتوح، فقد ذكرني الحي دائماً ببروكسل أكثر من ستوكهولم الهادئة والنظيفة.
تشتهر ضاحية روزنغارد بشيئين: أنها مسقط رأس نجم كرة القدم السويدي الشهير، زلاتان إبراهيموفيتش، وهي منطقة الاختبار لأولئك الشغوفين بعرض حالات فشل قوانين الهجرة السويدية السخية نسبياً. أما أن المنطقة تعاني من مشاكل ضخمة، حيث معدلات الطالة والفقر والجريمة العنيفة، فهي حقيقة لا يخالطها الشك. لكن الطريقة التي توصف بها روزنغارد غالباً تجعلها تبدو وكأنها في دولة هوبزية من الفوضى، والتي يسكنها خليط من الشباب المتطرفين والمجرمين المتوحشين.
قبل دخولي الفصل الدراسي في أول يوم عمل لي مع أكثر من مائة تلميذ في الصف الثامن في المدرسة العامة الوحيدة في المنطقة، طلب مني مارتن، الرجل الشاب والمعلم السويدي الذي كنت أدير معه المشروع، "أن لا أخاف من التلاميذ". وقال إن بعض الذين جاؤوا للزيارة، بمن فيهم الصحفي الذي يأتي بين فترة وأخرى، توقعوا عنفاً وفوضى. لكن فكرة أن أكون خائفاً من طلاب الفصل الثامن لم تكن حتى لتخطر لي على بال.
بكونها تطل على البحر، وفي يوم صافٍ حيث تبدو كوبنهاغن أمام عينيك بسهولة، تعد مالمو المحطة الأولى لأولئك الذين يدخلون السويد من الجنوب. وتعني هذه الجغرافيا أنها وضعت في الأعوام الأخيرة في الواجهة الأمامية لأزمة اللجوء الأوروبية؛ حيث تدفق مئات الآلاف من اللاجئين عبر الجسر قادمين من كوبنهاغن. وحتى قبل عام؛ أي عندما أغلقت الحكومة الحدود أمام اللاجئين أول الأمر في إجراء يائس، بعد خريف شهد 150.000 شخص يقومون بالرحلة التي تكاد تكون مستحيلة قادمين من سورية والعراق وأفغانستان. وفي ذلك الحين، كانت السويد -وفق كل المقاييس- أكبر مستقبل للاجئين، نسبة لعدد المواطنين، من أي مكان آخر في الغرب.
عندما قدمت نفسي للتلاميذ في روزنغارد، تلقيت المعاملة نفسها التي يتلقاها الكتاب غالباً من المراهقين: كزائر موقر بشكل غامض وقادم من مملكة الراشدين، مصحوباً بشهرة غير أكيدة يصعب قياس مداها وأثرها.
سألوني: "هل أنت ثري؟" و"ما نوع السيارة التي تقودها؟".
استطعت رؤية أرواحهم تغوص عندما أخبرتهم بأن سيارتي عمرها 10 أعوام، وهي فولكسفاجن خضراء لها باب خلفي.
سألوني سؤالاً صورياً كنوع من المجاملة، حيث لا يمكن لأحد مثل هذه السيارة أن يقابل زلاتان: "هل قابلت زلاتان؟".
كان أول شيء طُلب من التلاميذ فعله هو قراءة فصل من الكتاب الذي كنت أكتبه، المؤمن، والذي تجري أحداثه جزئياً في ضاحية خيالية لا تختلف عن التي يعيشون فيها. وعندما استلموا النسخ، شعرت فجأة بالخوف. هنا كنت رجلاً أبيض في الأربعين من عمري، والذي حاول الكتابة عن واقعهم. وبدا ذلك الآن كشيء مناف للعقل حاولت فعله.
"أنا أكتب عن هذا فقط لأن أحداً آخر لا يفعل"، حاولت.
ولكن، تبين أن التلاميذ كرماء ومهذبون ومقدِّرون. وأكثر من أي شيء آخر، أنعشتهم حقيقة أنني كنت قد استخدمت كلمات الشتائم، بالسويدية وبالعربية.
سألوا: "هل ذلك مسموح؟" و"هل تستطيع كتابة مثل ذلك؟".
فأجبت مسترخياً ومتحمساً "تستطيعون أن تكتبوا كما تحبون، هذه هي الفكرة كلها".
لكن مارتن، المعلم، قال وقد رمقني بنظرة عبوس: "حسناً... في إطار التعقل".
وعلى ضوء سمعتها كضاحية عنيفة ومنطقة جرائم، بدت روزنغارد بقعة هادئة وخضراء ومنسقة. وهناك العديد من الحدائق العامة بين الإسكانات العامة المعزولة العالية. وعلى العكس من العديد من الضواحي الأخرى المشابهة في مدن أوروبية أخرى، فإنها تقع في الوسط، خارج مركز المدينة مباشرة وحسب. وهي عالم خاص بها في حد ذاتها. ولا يتكلم أحد من تلاميذ الفصل الثامن اللغة السويدية كلغة أم -كل واحد منهم كان من خلفية مهاجرة.
حدثتُ التلاميذ عن عام أمضيته في دمشق عندما كنت مراهقاً، عندما كان والدي يعمل مع الأمم المتحدة في مرتفعات الجولان. وأدركت وأنا أتحدث عن ذلك العام أنني كنت بمثل عمرهم عندما عشت هناك، مهاجراً أنا نفسي حينذاك، وإنما في وضع أفضل بما لا يُقاس. وكانت لبعض التلاميذ عائلات في دمشق، فتحمسوا.
سألوا: "أين سكنتَ؟ هل أحببتها".
لم يهمهم أن 25 عاماً مرت منذ أن عشت هناك، فقد أصبحت سورية مفقودة بالنسبة لهم مثلما هي بالنسبة لي.
في ذلك الربيع، أمضيت أمسيات عدة مع التلاميذ كل أسبوع. وكنت أسير حول الفصل الدراسي بينما يجلسون ويكتبون ذلك الجزء الأصعب من الواجب الدراسي: قصة قصيرة عن أي شيء يريدونه. وكنت أتحدث إليهم عن كتابتهم وعن حيواتهم. لم أكن معلماً بمعنى الكلمة ولا كنت صديقاً بمعنى الكلمة. كنت شيئاً من قبيل قائد فريق تشجيع، ملتصق بشدة بجوانب وجودهم. كانت قصصهم موحشة وجميلة، وفيها أخطاء في التهجئة وبشعة وأحياناً مملة. كانوا يكتبون عن كرة القدم والآباء والأمهات المرضى وحالات الانتحار. وبعض القصص كانت عن الجريمة وضغط الزملاء والعصابات. كانوا كلهم في سن المراهقة. وكانت إحدى الثيمات في قصصهم تقفز مرة ومرة أخرى: الحدود. الحدود المادية. وترتب على أحدهم إعادة أحد والديه المريض إلى الوطن، وترتب على آخر الهروب من الحرب، وترتب على ثالث العبور إلى الدنمارك عبر الجسر لشراء الأعشاب. لكن هناك أيضاً حدود ذهنية وثقافية -الجذب بين العائلة والأصدقاء؛ وبين المدرسة وكرة القدم؛ وبين الصحيح والخطأ.
مع ذلك، وفيما أستعد لأباشر المشروع للعام الثالث هذا الربيع، فإنني أدرك أن هناك بعض الثيمات التي لم أصادفها أبداً في مئات القصص القصيرة التي كتبها أبناء المهاجرين والتي قرأتها. فعلى الرغم من أن غالبية الأولاد مسلمون في السويد العلمانية، فإنني لم أقرأ أي قصة تمس الدين أو التطرف على الإطلاق. كما لم أقرأ أي قصة عن السياسة. كان الخلط بين المخاوف وحياة كل يوم بيومه عند هؤلاء الأولاد وبين المواضيع التي تتم مناقشتها في السياسة وفي وسائل الإعلام، صادماً.
بينما يحتدم النقاش حول الهجرة، وكيف تؤثر على المجتمعات الغربية، يكون التطرف فقط هو الموضوع ذو الصلة. وتظل الحقيقة محجوبة حتى لا نعود نرى أنه مقابل كل ولد يتطرف، هناك عشرات الآلاف من الآخرين الذين لا يفعلون. ومقابل كل جريمة بسيطة ترتكب هناك، هناك أعداد لا تنتهي من الواجبات المدرسية التي يتم إنجازها، وأهداف كرة القدم التي يتم تسجيلها، والحيوات التي تتحسن. وفي هذه الجوقة، يبدو أن الأصوات التي لا تسمع أبداً هي تلك الأصوات التي نتحدث عنها. فالناس الذين يقطنون المناطق التي نناقشها مهمون فقط كإحصائيات وأرقام، مثل الذخيرة في حرب حضارات مصطنعة. وفي السياق، نختار بملء إرادتنا تجاهل الناس والمجتمعات الذين يكونون أكثر تعقيداً وتطوراً مما تسمح به حالات السرد الإعلامي وتغريدات "تويتر" في الصباح الباكر.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Teaching Immigrant Kids in Sweden Was an Eye- Opening Education
*روائي، ولد في ستوكهولم وعاش في سورية وإسرائيل، وتخرج من مدرسة ثانوية في الولايات المتحدة. حصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة ماستريخت في هولندا، وعمل كمحام لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل وهلسنكي. بيعت حقوق روايته الأولى "السباح" في 30 بلداً. وهو يعيش ويعمل في جنوب السويد.

التعليق