معضلة ترامب الثورية

تم نشره في الأحد 19 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

هارولد جيمس*

برينستون- تتزامن مئوية الثورة الروسية هذا العام مع ثورة ترامب في الولايات المتحدة، والتي تلت ثورة "بريكست" في المملكة المتحدة. ومثل البلاشفة في العام 1917، تَعتبر الحركات السياسية وراء صعود ترامب وبريكست نفسها طليعة الثورة الدولية -أو ما يسميه زعيم حزب الاستقلال البريطاني السابق، نايجل فاراج، "ثورة عالمية كبيرة".
لكن على المتمردين اليوم أن يتعلموا من دروس التاريخ. فقد خلفت الثورة الروسية خسائر فادحة في الأرواح وقلصت الرفاهية، ويعتقد عدد غير قليل من المؤرخين المعاصرين أنه لم نحصل على أي شيء بنّاء جراء تلك الثورة. وكان لينين رائداً سياسياً يدرك أن الحركات الثورية تُركز على دولة إدارية غير شعبية، لكنها في النهاية ضرورة بيروقراطية.
تتمرد الحركات الثورية الجديدة، مثل البلشفية، ضد ما تعتبره نظاماً دولياً جائراً ومقيِّداً. ومن وجهة نظر لينين، يتكون هذا النظام من القوى الغربية التي دفعت روسيا إلى الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا -وضد مصالحها. أما بالنسبة لترامب، فيتجسد ذلك في المصطلح الغامض "العولمة"؛ حيث قال: "لقد تم استغلالنا من قبل كل دولة في العالم تقريباً. لكن هذا لن يحدث بعد الآن".
على الرغم من ذلك، فاٍن الأعداء الحاليين لهذه الحركات هم أناس محليون لا أجانب. وفي خطاب حديث لمؤتمر العمل السياسي المحافظ، أعلن ستيفن بانون، كبير الاستراتيجيين في إدارة ترامب، أنها ثورة من أجل السيادة الأميركية، التي تحددها القومية الاقتصادية و"تفكيك الدولة الإدارية".
كما هو الحال مع جميع البرامج الثورية، يدور نهج ترامب وبانون بالأساس حول إعادة النظر في الدولة وسلطتها. ومع ذلك، فإن القادة الثوريين الحاليين لا يتناسبون تماماً مع الفئات التقليدية من اليسار أو اليمين، لأنهم يعتمدون بشكل واضح على سياسات كلا المعسكرين. ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن "مساعد" ترامب الذي يدعي أن الرئيس نفسه، وهو يتساءل عما إذا كان بانون "من اليمين أو من اليسار".
بغض النظر عن كيفية تصنيف برنامج ترامب الداخلي، فمن الواضح أنه استجابة لعالم يتعايش فيه مبدأ الانفتاح -من السلع الأجنبية ورأس المال والناس- مع نظام معقد لتنظيم هذه التدفقات. وتخضع السلع الأجنبية لمعايير السلامة ومعلومات المنتجات الوطنية، وتدار تدفقات رأس المال عن طريق فرض ضوابط على الإقراض المصرفي، كما تخضع الهجرة غير المحدودة لمجموعة من الضوابط والشروط.
سوف تتحقق وعود ترامب لجعل الحياة أسهل، وأقل تعقيداً، وخالية من أوامر البيروقراطية الإدارية، من خلال التخلص من التشابكات الدولية. وهذا اقتراح مغرٍ للكثير من المواطنين العاديين الذين يجدون العولمة معقدة ومحيرة. فمعظم الناس محبطون من الروتين. لكن هناك، بطبيعة الحال، الكثير من الروتين في التفاعلات المحلية؛ حيث تنظم الدولة كل شيء من جودة المنتج والسلامة إلى الخدمات المالية وأسواق العمل.
في حالة بريكست، وضع مؤيدو "المغادرة" الأصليين خطاً فاصلاً بين "الشعب" و"الخبراء"، كما دعوا إلى تفكيك أجزاء كبيرة من جهاز الدولة البريطاني الذي يتحصن فيه هؤلاء الخبراء على ما يبدو. كما قال وزير العدل السابق وزعيم حزب "بريكست" للمحافظين، مايكل غوف، في مقولته الشهيرة: "لقد تعب الناس. في هذا البلد ما يكفي من الخبراء"، وهناك حاجة إلى "تغييرات كبيرة" لتعديل طريقة عمل الحكومة والخدمة المدنية.
بعد حصول الثوار على السلطة، فإنهم سرعان ما يعتقدون أن "الدولة العميقة" محافظة وعازمة على عرقلة إرادة "الشعب"، وإضعافها. وبالتالي، تعرضت وزارة الخارجية البريطانية للاستهزاء لكونها متعاطفة مع بيروقراطية الاتحاد الأوروبي، واتهمت أجهزة الاستخبارات الأميركية بتسريب معلومات إلى مؤسسة صحفية، وأصبحت "عدو الشعب".
ولكن، إذا تمادى الثوار في حربهم ضد الدولة، فإنهم سيواجهون مشكلة مختلفة، لأن أعضاء المؤسسة القديمة هم الوحيدون الذين يعرفون ما يكفي عن البرامج الحكومية بالتحديد لإتمام أي عمل. وفي نهاية المطاف، يجب على الثوار محاولة تحقيق التوازن بين التخلي عن رغبات أنصارهم المتطرفة وبين تصاعد الصراع مع الدولة، لدرجة استحالة تحقيق أي أهداف سياسية أخرى.
تتميز الثورة الروسية بهذه الدينامية نفسها. كان موظفو الدولة -الشينوفنيك- بمثابة الأعداء المصرح بهم، وهناك قلق من أن البيروقراطية ستمنع الثورة من بلوغ هدفها، مما يعزز فكرة أن الحزب الثوري يجب أن يحل محل الدولة تماماً.
لكن المشكلة القديمة نفسها عادت إلى الظهور. وكان المجتمع الروسي في أوائل القرن العشرين معقداً للغاية مسبقاً. وكانت هناك حاجة لجميع أنواع المهارات الإدارية -سواء إدارة شبكات السكك الحديدية أو تجهيز الجيش- لضمان مواصلة الحياة اليومية العادية. وبالنسبة لليون تروتسكي، كان استيلاء ستالين على السلطة بعد وفاة لينين ثورة مضادة. لقد تمت خيانة الثورة عندما حل الشبنوفنيك محل ثوار حقيقيين مثل تروتسكي.
الدرس الذي ينبغي تعلمه من التاريخ هو أن الثوار يواجهون معضلة مستحيلة بعد الاستيلاء على سلطة الدولة. وإذا استمرت الثورة بشكل سريع، سيؤول ذلك إلى العجز، وخيبة الأمل، مثل المطاردة الشديدة للساحرات، وسيُنتج دورة متكررة من العنف. ولكن إذا تم إحباط الثورة، فسيُعتبر قادتها عديمي الفائدة.
أطاحت الثورة الأولى في العام 1917 بالقيصر نيكولاس وخلقت الحكومة المؤقتة التي ترأسها الزعيم الاشتراكي ألكسندر كيرينسكي، ثم تحولت إلى مرحلة انتقالية فاشلة. ووصف لينين كيرينسكي بأنه "آلة وترية" عزف عليها النظام القديم للاستمرار في خداع العمال والفلاحين. لكن الثورة الثانية -التي حملت لينين والبلاشفة إلى السلطة أنتجت نظاماً لم يكن أقل عرضة للاتهامات بالخيانة.
بينما يحاول الثوار اليوم ممارسة السلطة، يمكننا أن نتوقع ارتفاع التهم بالخيانة من قبل الدولة والبيروقراطية الإدارية. إلا أن الدولة هي أوسع بكثير وأكثر قدرة مما كانت عليه قبل قرن من الزمان -وسوف تكون تكاليف التطرف أعلى مما كانت عليه في الماضي.

*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، وزميل بارز في مركز الابتكار للحكم الدولي. متخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني وفي العولمة، وهو المؤلف المشارك لكتاب "اليورو ومعركة الأفكار".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق