تناقضات وأولويات اقتصادية

تم نشره في الاثنين 20 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

سامر سنقرط

لا شك بأن كل قرار يتخذه صانعو القرار الاقتصادي لتحقيق هدف معين سيكون له آثار وتداعيات بالاتجاه المعاكس، لكن المهم هو تحديد أولويات المرحلة التي يمر فيها الاقتصاد الوطني حاليا ، وبالتالي فإن أي قرارات تتخذ الآن سيكون مقابلها تضحيات في جوانب اخرى.
إن السياسة النقدية المتبعة حاليا من قبل البنك المركزي الأردني هي سياسة إنكماشية تهدف أولوياتها إلى المحافظة على الاستقرار السعري  والنقدي وحماية سعر صرف الدينار ومكافحة التضخم . لكن هذه السياسة المتشددة وما قد ينجم عنها من رفع لأسعار الفوائد بغرض السيطرة على التضخم ، ستؤدي إلى رفع أسعار السلع والخدمات في المدى القصير، ولا سيما بالنسبة للمنتجين والتجار الذين يعتمدون على الاقتراض في عملياتهم التجارية حيث سترتفع كلفهم.
لكن ارتفاع الفوائد والأسعار في المقابل سيحد من الطلب الكلي على المدى الطويل مما يساعد في زيادة الادخار على حساب الاستهلاك والاستثمار. كذلك فإن السياسة النقدية الانكماشية كان لها انعكاسات سلبية برفع أسعار الفائدة على السندات الحكومية ، وبما يتناقض مع السياسة المالية وخاصة بالنسبة إلى حاجة الحكومة لخفض عبئ خدمة الدين الحكومي المتزايد مع استمرار تفاقم عجز الموازنة.
كما أن تشديد الحملة على العمالة الوافدة غير المنظمة أدى إلى رفع أسعارها في السوق ونقص العمالة ، وسيؤدي ذلك أيضا إلى تأخير إنجاز المشاريع مما سيرفع من كلفة قطاع الإنشاءات في بناء الشقق السكنية الأمر الذي يعني ارتفاع أسعارها، وهذا يتناقض مع أهداف محاربة التضخم، وسيرفع أيضا من كلفة الصناعة التي تعاني أصلا، مما سوف يخفض من تنافسيتها التي تضررت كثيرا مؤخرا جراء إغلاق المنافذ الحدودية مع العراق وسورية.
كذلك فإن قرار رفع الحد الأدنى للأجور من 190 دينارا إلى 220 دينار سيعمل على رفع اسعار السلع والخدمات ويقلل من تنافسية القطاعات الإقتصادية ، لكنه في المقابل قد يزيد من إقبال الشباب الأردني على العمل وبالتالي المساهمة في تقليص نسبة البطالة . كذلك فإن إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية المستقلة وإلغاء بعضها ودمج بعضها ببعض ربما سوف يقلل من النفقات بسبب الاستغناء عن جزء من الموظفين أو عدم تعيين موظفين جدد، لكنه بنفس الوقت سوف يزيد من البطالة رغم أن البطالة المقنعة مستشرية في القطاع العام . أما مطالبة  السادة النواب بزيادة الرواتب في هذا التوقيت ، فإنه سيعمل في المقابل على زيادة عجز الموازنة وبالتالي زيادة المديونية التي يطالب النواب أنفسهم بتخفيضها ، أي أنهم يناقضون أنفسهم!!!.  
فيما يتعلق بالإجراءات التقشفية للحكومة وتخفيض الإنفاق العام وتأخير دفع مستحقات المقاولين والموردين إلى جانب الإكتفاء بالحد الأدنى من المشاريع الرأسمالية ، فسيؤدي ذلك إلى إبطاء سرعة دوران النقود في الإقتصاد مما سيعمل على تقليل حصيلة كل من ضريبة المبيعات وضريبة الدخل مما سيؤدي بالتالي إلى تقليص الإيرادات الحكومية وزيادة عجز الموازنة ، وهذا ما يتناقض مع أهداف الحكومة في الحد من العجز وتخفيض المديونية.
من جهة أخرى ، فإن الرفع المتوقع لمعدل ضريبة الدخل على قطاع البنوك سيعمل على تقليص أرباحها مما سيجبرها على رفع أسعار فوائد الإقراض لديها بهدف توسيع هوامش أرباحها ، وهذا سيؤدي إلى رفع كلفة الإئتمان وبالتالي تثبيط نشاط الإستثمار وتخفيض الحركة الاقتصادية ورفع الأسعار في المدى القصير.  إن قرار زيادة الضرائب على المشتقات النفطية سيكون تأثيره على ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأخرى مثل تأثير لعبة الدومينو ، حيث سترتفع جميع الأسعار وخاصة أسعار النقل والإنارة . وحتى لو هبط سعر النفط في الأسواق العالمية ، فإن أسعار السلع والخدمات الأخرى التي كانت قد إرتفعت بعد إجراءات رفع الأسعار والضرائب سوف لن تنخفض بمجرد إنخفاض أسعار النفط العالمية.
مما سبق نلاحظ بأن السياسة النقدية للبنك المركزي لا تتكامل مع السياسة المالية للموازنة العامة، فكلاهما سياسات إنكماشية ومتشددة لا تحقق النمو الاقتصادي المنشود. لكن هذه التناقضات والإنعكاسات تفوقها أولويات أخرى على رأس أجندة الحكومة أهمها المحافظة على سعر صرف الدينار وتقليص عجز الموازنة وتخفيض المديونية  إلى مستويات معقولة ، لأن عدم تحقيق هذه الأولويات والأهداف السامية ستكون له نتائج كارثية وعواقب وخيمة على الاقتصاد الأردني أكبر بكثير من التأثيرات السلبية الهامشية والمؤقتة.

*خبير مالي

التعليق