التوجيهي محنة وليس إنجازاً

تم نشره في الاثنين 20 آذار / مارس 2017. 12:06 صباحاً

منذ أن تم العمل بنظام الامتحان العام على الطريقة البريطانية، ثم على طُرق أخرى أميركية وفرنسية، وغيرهما في بعض المدارس الخاصة، والمجتمع ينقسم إلى قسمين كل عام عند إعلان نتيجة الامتحان: قسم يفرح ويتباهى بنجاح بنيه وبناته، وقسم لا يقل عنه حجماً يحزن وينطوي بسقوطهم في الامتحان.
لقد انبثق الامتحان العام في الغرب من موقف طبقي يقوم على الغربلة التي يفوز فيها – إجمالاً- أبناء وبنات القادرين على تلبية متطلبات التعلّم، كما هو الحال في بلادنا: بالدروس الخصوصية التي تكلف الملايين؛ ونتيجة للثورة الصناعية المحتاجة إلى مستويات من العاملين. وقد تكرست الامتحانات وتمأسست بالقانون وبالعرف لدرجة جعلت الناس يطلبونها ويقبلون نتائجها ويلومون أو يعاقبون أبناءهم وبناتهم الراسبين فيها.
ومع أن العلوم الاجتماعية وبخاصة علم النفس وعلم الاجتماع يقولان بخلاف ذلك بمعنى إن كل طفل سوي (غير معاق عقلياً) قادر على التعلّم والنجاح في مختلف المراحل والمواد - إذا عُلّمِ بطريقة صحيحة، وأن الدليل القاطع عليه فهم الأطفال منذ ولادتهم إشارات التعامل معهم ثم تعلمهم لغة الأم مهما كانت صعبة، وكثيراً من المهارات الأخرى كالأكل، والشرب، واللباس، والحمام، واللعب، التي هي في الحقيقة أصعب تعلم من جميع المواد المدرسية فيما بعد. لأن الأم والأسرة تأخذان بيد الطفل وتصبران على تعليمه وتعلمه وتعطيانه الفرصة- الا أن الأمور تنقلب إلى العكس في المدرسة، فلا يعامل المعلمون والمعلمات فيها التلاميذ والتلميذات كما يعلمون أو يتعاملون مع أطفالهم في البيت.
لكن التيار الامتحاني الذي جاءت الثورة الصناعية به لا يبالي بذلك، فعنده أن الطفل أو المتعلم هو المسؤول في نظره عن التعلّم وليس المعلم أو المدرسة أو الوزارة المعنية. وعليه فإنني حزين جداً وأنا أرى نصف المتقدمين للامتحان الماضي وعددهم خمسة وخمسون ألفا يرسبون فيه. إنها محنة أو مصيبة كبيرة وليست انجازاً. يجب أن لا ننسى نصف الكأس الفارغ كل عام ونحن نركز على النصف المملوء. يجب ان نسعى ليمتلئ الكأس، وإلا ظلت الآلاف المؤلفة من البنين والبنات الذين يرسبون سنوياً في الامتحان في مهب الفراغ. لكن الأطفال لم يلتحقوا بالمدرسة معوقين لتلقي بهم في الشارع. لقد أتم كل منهم اثنتي عشرة سنة مدرسية بنجاح كما تفيد شهاداتهم المدرسية.
يبدو أن الناس تمسح أو "تبلد" إحساسهم بهذه النتيجة بعدما تكررت سنة بعد أخرى، وتمأسست وصارت معياراً، وكأن نجاح جميع الطلبة عيب مرفوض. لا أدعو طبعاً إلى التنجيح، وإنما أدعو إلى تحمل المدرسة والوزارة والدولة مسؤولياتها وبحيث ينجح الجميع، وحسب ما قال أحد المربين (Access & success) لأنها كارثة وطنية أن يسقط هؤلاء الفتيات والفتيان مع أنهم يمتلكون قدرات ومواهب وفرصا لظهور العبقرية بينهم كالناجحين لو كانت المدرسة دفيئة أو حاضنة لمثل ذلك.
لعل أول ما يصيب هؤلاء الراسبين الشعور بالذل والخيبة واللاقيمة في المجتمع، ومن ثم يصبحون مستعدين لممارسة ما تسمح به هذه الحالات من سلبيات أو مشكلات وإشكالات.
لم تعلن أو لم تكشف الوزارة عن أسماء العشرة أو العشرين الأوائل لأن الإعلان قد يكشف أن ما سمي بالمدارس الأقل حظاً أو ذات الظروف الخاصة ليست سوى أكذوبة للاستئثار بالمقاعد الجامعية في الطب والهندسة.. لحساب القوائم والكوتات والاستثناءات.
أما اللافت الآخر في بيان الوزير فهو تكريره لاتجاه الوزير السابق في جعل الامتحان يتم في دورة واحدة، مع أن علم النفس يفيد أن توزيعه في دورتين أفضل، فهو يوفر للطلبة المقصرين في مادة أو مواد تغذية راجعة يستفيدون منها في الدور الثاني. كما يقصر الوقت اللازم لهم للنجاح من سنة إلى فصل. لكن المشكلة إدارية ولا تريد الوزارة تحمل عبء عقد الامتحان مرتين في السنة على كثرة ما لديها من إداريين مكوّمين في المديريات والمركز.
ويعلن وزير التربية والتعليم عن تشكيل لجان لدراسة الامتحان من كل جوانبه. لقد تشكلت لجان سابقة كثيرة لذلك، وقدمت توصيات لإصلاح الامتحان وتطويره. ومن الأفضل والأسرع والأقل كلفة الرجوع إليها، والثابت لا فائدة من اي إصلاح أو توفير ما بقيت أسس القبول القائمة على الكوتات والقوائم والاستثناءات المستولية على نحو ثلاثة أرباع المقاعد الجامعية الرسمية، قائمة.
لقد قدمت، وغيري، للوزارة أكثر من مشروع لحل المشكلة في إطار استمرار الامتحان ما دمنا نصر على بقائه. وكان أول بند في المشروع الذي قدمته في 21/7/2009 إلغاء صفة النجاح والرسوب من النتيجة، وربط نوع المواد وعددها في الامتحان بالتخصص الذي يرغب فيه الطالب/ة في الجامعات الأردنية والأجنبية، فعند ذلك ستجد طالباً يقدم الامتحان في ثلاث مواد أو أربع، وآخر في عشر والبلاد في حالة استقرار وهدوء.

التعليق