جمانة غنيمات

ما هذا التلوث!

تم نشره في الثلاثاء 21 آذار / مارس 2017. 12:10 صباحاً

التلوّث ليس مقتصرا على البيئة ومخلفات المصانع وعادمات المركبات، بل أيضا، يكمن في العقول أحيانا، وللأخير مخاطر تفوق كثيرا تلوث الأوزون، لتأثيره الهدام على المجتمع ووحدته.
الوحدات والفيصلي فريقان رياضيان، من المفترض والطبيعي أنهما يمنحاننا المتعة واللعب الجميل، ويقولان للعالم إننا مجتمع صحي نُقبل على الألعاب الرياضية مثل الشعوب المتحضرة.
نظريا، هذا ما كان يتوجب أن يكون، لكنّ الواقع العملي المؤلم، حول جزءا من الأردنيين إلى جمهور ملوث فكريا، لا يعنيه التنافس الشريف واللعب الجميل، بل يتسابق في ميادين بغيضة، كالكراهية والعنصرية المقيتة، فأبرز ما يصدر عن بعض جمهور الفريقين هتافات مريضة مليئة بالعنصرية والأمراض التي تخلخل بنيان المجتمع ووحدته.
آخر إفرازات هذا التلوث، شاب يرسم علم المحتل الإسرائيلي، ويقرن اسمه بالفريق "العدو" الفيصلي، في ما آخر يلجأ إلى أحد مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت "فترينات" نعرض فيها كل أمراضنا، ويكتب قائلا "الله فيصلي أورشليم إسرائيلية".
إلى هذا الحد من الانحدار وصلنا، حتى غدت مباراة بين الفريقين كفيلة بأن يضع المرء يده على قلبه ضارعا أن تمر بسلام، وأن لا تسهم بشحن أجواء البلد سلبيا لأيام بعدها.
آخر القصص تعكس لنا حجم المشكلة، ولا يبدو التعامل الأمني، رغم ضرورته، كافيا كي نتخلص منها. علاج هذا المرض يحتاج إلى أكثر من ذلك، رغم أن ضيق إدارة اتحاد كرة القدم وإدارات النوادي من سلوك بعض أتباع الناديين كبير، ودليل ذلك العقوبات المتكررة؛ المالية والإجرائية التي تتخذ بحقهما بين وقت وآخر.
آخر هذه العقوبات قضت بحرمان الجمهور من حضور المباريات، علهم يتعظون من ذلك ويرتقون بسلوكياتهم، فالضرر الواقع معهم ومنهم كبير. فمثلا خسرت المدرجات آلاف المقاعد، فعدا عن أنها تشكل خسائر مالية، فهي تعكس غوغائية في السلوك، وفقدانا للقيم الأخلاقية.
اتحاد كرة القدم يدرك حجم المشكلة، ويقدر تبعاتها الخطيرة، لكنّ حل هذه الإشكالية يتجاوز الاتحاد والمؤسسات التابعة له، فدوره لا يتجاوز جملة من العقوبات يوقعها على المخالفين، لكنها لم تصل بنا يوما إلى التخفيف من التلوث الحاصل، بل إن حجم المشكل بازدياد.
القصة الأبعد، ولكنها ترتبط بقواعد وثيقة مع ما يحدث في الملاعب والمدرجات، تتعلق بالهوية الوطنية الجامعة التي ما نزال نتحدث عنها بحساسية شديدة، بحيث يغيب صوت العقلاء، ويعلو صوت المتعصبين الجاهلين ممن لا يدركون مخاطر ما يجري على جبهتنا الداخلية ووحدتنا.
نستطيع أن نعمل على دثر مثل هذه الأمراض إن نحن التجأنا إلى تطبيقات المواطنة الحقة القائمة على نيل الحقوق وأداء الواجبات، وعلى أن الأردنيين سواسية أمام القانون ولا تمييز بينهم بناء على الأصل واللون والعرق والدين وكذلك الجنس، فمثل هذه القاعدة الدستورية وتطبيق روحها كفيلة بحماية الأردن من أمثال هؤلاء الموتورين.
أما الثقافة الأخرى التي نفتقدها، والتي تسهم برسم هذا المشهد المشوه، فلها ارتباط وثيق بغياب ثقافة احترام التعددية، وأن الشراكة في الوطن قائمة على صهر مكوناته ضمن الهوية المعبرة عن الجميع، وبالتساوي، وأنه لا يمكن لأحد أو جهة أو فئة، احتكار الوطن.
ما ينقصنا اليوم، هو غياب ثقافة الديمقراطية بمفهومها الشامل، وإلى أن تزدهر هذه الثقافة لدينا، ستبقى أفعال بعض اتباع الناديين كالندبة في الجبين، مدركين أن علاجها أصبح حاجة ماسة، وأن التأخر في العلاج خطيئة.. وربما أكثر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صدقت (متابع)

    الثلاثاء 21 آذار / مارس 2017.
    سيدتي.. بالمجمل فان كرة القدم أصبحت وسيلة اشباع لغريزة الانتماء التي خلقها الله فطرياً مع الانسان.. فبغياب الأمة و الوطن بمفهوميهما الحقيقيين يضيع انتماء الناس الى أضيق ما يمكن.
    العنصرية و كرة القدم موجودة في كل العالم و كثيراً ما تكون الكراهية هي السمة الأبرز بين مشجعي فريقين .
    و لكن هذا لا يمكن أن يكون مبرراً أبداً لأن يكون الأردن بخصوصيته التاريخية و الجيوسياسية مسرحاً لمثل هذا التلوث القاتل فكرياً.
    بصراحة كان يجب على الدولة التصدي بيد من حديد للجماهير التي تجاوزت كل شيء بالهتاف بمثل ما ذكرتِ من هتافات و شعارات.. في الوقت الذي كان يتغنى به البعض بشارون و باراك نكاية.
    ألوم اللاعب أيضاً الذي يستمر باللعب و هو يسمع هذا الكلام المقزز.
    المهم.. أجيال جديدة تولد و يحرص الأهالي على زرع الضغينة فيهم قبل أي شيء.. و أن معركة الفيصلي و الوحدات هي معركة الحق والباطل.
    و بالمحصلة المنتخب الأردني يتمركز في الترتيب 115 عالمياً.