البحث عن الروح في كوريا الجنوبية

تم نشره في الثلاثاء 21 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

يون يونغ-كوان*

سول- كان سحب الثقة في رئيسة كوريا الجنوبية، باك كون هي، وعزلها من المنصب، بعد اتهامها بالفساد واستغلال السلطة، سبباً في زعزعة أركان المؤسسة السياسية في البلاد وانقسام جماهير الناخبين. ولم يحدث منذ اندلاع الأزمة المالية الآسيوية في العام 1997، والتي امتدت جذورها جزئياً إلى السياسات الاقتصادية المعيبة التي انتهجها والد باك، الرئيس السابق باك تشونج هي، أن تعرضت كوريا الجنوبية لمثل هذا المأزق.
من المبكر للغاية أن نحاول الآن معرفة من قد يخلفها في البيت الأزرق (مقر الرئاسة)؛ وسوف تُعقَد انتخابات خاصة في التاسع من أيار (مايو). لكن من الواضح، مع رحيل باك بهذه الصورة الفظة، أن التغيير في الحزب الحاكم في كوريا الجنوبية بات مؤكداً. ومع الدماء الجديدة، يجب أن يأتي نشاط متجدد في التصدي لمشاكل الحكم -من الأموال القذرة في السياسة إلى السياسة الخارجية غير المتماسكة- التي ابتليت بها كوريا الجنوبية لفترة طويلة للغاية.
بدأت الأزمة السياسية الحالية في كوريا الجنوبية في تشرين الأول (أكتوبر) 2016، عندما ظهرت ادعاءات بأن باك مارست الضغوط على أصحاب الثروات -التكتلات التجارية العائلية العملاقة في البلاد- لتحويل مبالغ ضخمة من المال إلى مؤسستين تسيطر عليهما من خلال صديقتها الشخصية المقربة، تشوي سون سيل. ووسط الأحاديث عن محسوبية باك، شعر العديد من الكوريين الجنوبيين بتعرضهم للخيانة من الرئيسة التي تعهدت بالقيادة بشكل مختلف. الواقع أن باك، التي كان أسلوبها الاستبدادي أشبه بأسلوب والدها، تجاهلت بشكل روتيني القواعد الأساسية للديمقراطية الليبرالية. فقد استهزأت بسيادة القانون والفصل بين سلطات الحكومة. وبعد اتهامها بالفساد، تجاهلت ببساطة دعوات المثول أمام المحكمة الدستورية للإدلاء بشهادتها. وقد أصدرت النيابة العامة أمر استدعاء آخر لمثولها أمام المحكمة في الحادي والعشرين من آذار (مارس) الحالي، ولكن ما يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستفعل ذلك، حتى بالرغم من أنها فقدت الآن حصانتها من الملاحقة القضائية.
يكاد يكون من المؤكد أن عزل باك من منصبها يعني تحول السلطة السياسية من حزب سينوري سابقاً، أو "الحدود الجديدة" (حزب كوريا الحرية الآن) إلى القوى المعارِضة. وفي الوقت الحالي، يقود المرشحون من حزب كوريا الديمقراطي الذي ينتمي إلى يسار الوسط محاولة لإنهاء تسع سنوات من حكم المحافظين. ويُعَد مون جيه إن، زعيم حزب كوريا الديمقراطي السابق والمتسابق التالي للرئيسة المعزولة باك في انتخابات العام 2012، مرشح المعارضة الأوفر حظاً بفارق كبير.
أياً كان الرئيس التالي لكوريا الجنوبية، فسوف يجد في انتظاره العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والخارجية العميقة. فعلى الجبهة الداخلية، سوف يرث الرئيس نظاماً سياسياً يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح. وإلى جانب الدعوات المطالِبة بترسيخ الفصل بين السلطات من خلال إنشاء نظام أكثر قوة من الضوابط القانونية والتوازنات، هناك إجماع شبه كامل على ضرورة إصلاح الفقرة التي تحدد الرئاسة بمدة واحدة فقط من خمس سنوات. ويعمل هذا الإطار الزمني القصير، الذي أنشئ في العام 1987 أثناء انتقال كوريا الجنوبية إلى الديمقراطية، على إعاقة قدرة الرئيس الشاغل لمنصبه على وضع وتنفيذ ودعم سياسات طويلة الأجل. وقد سعت باك، مثلها كمثل الرؤساء السابقين، إلى تغيير حد الولاية الرئاسية، ولكن جهودها أُحبِطَت بسبب التوقيت السيئ. سوف يتطلب إجراء هذه التغيرات وغيرها وجود قيادة ديمقراطية تقوم على التواصل النشط مع مختلف شرائح المجتمع. ويتحلى الكوريون الجنوبيون بالأمل في هذا الصدد، على أساس اعتقاد بأن أي شخص سيكون أفضل من باك. (وفقاً لأحد استطلاعات الرأي، كانت شعبية باك قبل تركها منصبها لا تتجاوز 4 %).
يتمثل التحدي الاقتصادي الأكبر الذي يواجهه الرئيس المقبل في فك تشابك العلاقات بين الساسة وأصحاب التكتلات التجارية العملاقة. وفي اللحظة الراهنة، يعمل قرب التكتلات من السلطة السياسية على الحد من شفافية حوكمة الشركات، وتثبيط المنافسة، وإضعاف القدرة الابتكارية لدى الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم. ويشير إلقاء القبض في شباط (فبراير) على لي جيه يونج، وريث سامسونج، بعد اتهامات بالرشوة، إلى حجم المشكلة. ومع تركيز كل المرشحين الأساسيين للرئاسة على أهمية إصلاح مشكلة التكتلات، يُصبِح التغيير على هذه الجبهة ممكناً.
أخيراً، وربما الأكثر أهمية، سوف يواجه الرئيس التالي لغز السياسة الخارجية الذي حير باك طوال القسم الأعظم من رئاستها. وسوف يحتاج خليفتها إلى قدر أكبر من الفطنة الدبلوماسية لتثبيت استقرار العلاقات مع اليابان والصين وروسيا، في حين يعمل في الوقت نفسه على نزع سلاح كوريا الشمالية النووي، وبالتالي تقليص الخطر الذي يفرضه نظام كيم جونج أون على المنطقة.
وهنا تأتي المفاجأة في شخص الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يخلق نسخة خاصة به من عدم اليقين والشكوك في آسيا. إذ يشكل اختيار ترامب لكيفية التعامل مع كوريا الشمالية بشكل خاص اختباراً مبكراً لزعيم كوريا الجنوبية القادم. وإذا لجأت إدارة ترامب، كما أظن، إلى تشديد العقوبات (بما في ذلك المقاطعة الثانوية) والحوار، فسوف يتمكن قادة سيول من ضبط مواقفهم وفقاً لذلك.
وسوف يظل المجال متاحاً للتوصل إلى اتفاق إذا كان الزعماء السياسيون من جميع الأطراف على استعداد للإصغاء. ويُعَد نشر الولايات المتحدة لنظام متقدم مضاد للصواريخ في كوريا الجنوبية مثالاً واضحاً في هذا الصدد. وفي حين أثارت هذه الخطوة غضب قادة الصين، فإن مجال التوصل إلى تسوية يظل متاحاً، وخاصة إذا اعتُبِر نشر النظام مؤقتاً، وجرى ربطه بنزع السلاح النووي في كوريا الشمالية. لقد شهدت كوريا الجنوبية اضطرابات سياسية واقتصادية من قبل، ونجت منها. فقد كان والد باك هو الذي ساعد في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين على بناء النظام الذي لم يكن كافياً لتثبيط الروابط المفسدة بين الساسة وتكتلات الشركات. وقد تآمرت المؤسسات المالية الضعيفة وقطاع الشركات المشبوه الذي نشأ من هذا الإرث لزيادة حِدة آلام الأزمة المالية في العام 1997.
وكما هو الحال الآن، تسبب الفشل على مستوى القيادات في دفع الناخبين إلى المطالبة باتجاه جديد. وبفضل القدرة الجماعية التي تمتع بها القادة المحافظون في عزل كوريا الجنوبية عن أحداث العام 1997، بات الطريق مفتوحا أمام قائد المعارضة الليبرالية، كيم داي جونج، لتولي الرئاسة في العام 1998.
من المرجح أن تكون كوريا الجنوبية على أعتاب عملية تطهير سياسية أخرى. ولكن، بصرف النظر عن شخصية الرئيس القادم في البيت الأزرق في أيار (مايو)، فإن وظيفته -ووظيفة حزبه- تتلخص في التصدي للتحديات التي لم تكن باك مؤهلة للتعامل معها.

*وزير سابق للشؤون الخارجية في جمهورية كوريا، وأستاذ فخري للعلاقات الدولية في جامعة سول الوطنية.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق