صمت الأكاديميين

تم نشره في الأربعاء 22 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

هآرتس

 حن مسغاف

 قبل بضعة أيام نشرت صحيفة "هآرتس" أن الشرطة اقتحمت معهد ابحاث جغرافي في شرقي القدس، يعنى في البحث في موضوع الأراضي والمستوطنات والسيطرة الإسرائيلية على الاراضي الفلسطينية في المناطق المحتلة. مدير المعهد، د. خليل التوفكجي، اعتقل وتمت مصادرة مواد أكاديمية وتكنولوجية. وحسب التقارير، الكثير من الإسرائيليين ومن بينهم جغرافيون يعرفون الباحث التوفكجي شخصيا وكانوا التقوا معه مرات كثيرة خلال المفاوضات مع الفلسطينيين حول موضوع الحدود.
إن هذه المعرفة، للاسف الشديد، لم تدفع أي من الجغرافيين الإسرائيليين إلى الاحتجاج بصوت عال على العمل غير الأكاديمي والفضائحي هذا. الجمعية الجغرافية الإسرائيلية التي هي الجسم الأكاديمي المهني الممثل للباحثين والباحثات، لم تسمع صوتها، وكذلك المنظمات المهنية الاخرى في هذا المجال، مثل جمعية التخطيط. الجغرافيون الإسرائيليون يصمتون أمام المزيد من الاجحاف المتعلق بمجال عملهم. لماذا يقلقون إذا من اغلاق معهد ابحاث واعتقال زميل فلسطيني؟.
الجغرافيون لا يختلفون في هذا الأمر عن باحثين وأكاديميين آخرين في البلاد. هذه قصة تتداخل مع القصة العامة أكثر التي يرويها الأكاديميون الإسرائيليون لأنفسهم. من رؤساء الجامعات وحتى الباحثين الصغار، يؤمنون بأنهم يعملون في ظل جهاز ديمقراطي وحديث وغربي يحترم الحرية الاكاديمية. معظمهم يفضلون غض النظر تجاه نظرائهم الفلسطينيين الذين لا يحصلون على نفس الامتيازات التي هي أمر مفروغ منه بالنسبة للاكاديميين الاسرائيليين.
 اقتحام الجنود المسلحين لساحات الجامعات واطلاق الغاز المسيل للدموع واعتقال المحاضرين والطلاب وتقييد الحركة وغيرها من الاجحافات التي تحدث في الجامعة التي توجد على مسافة سفر قصيرة من المكاتب الفاخرة والمكتبات في جبل المشارف، أو رما تأفيف أو جامعة حيفا. هذا لا يقض مضاجع الأكاديميين الإسرائيليين منذ سنوات طويلة.
 مؤخرا انضمت مجموعة من الاكاديميين الاسرائيليين الى تنظيم جديد باسم "المساواة الاكاديمية"، الذي يسعى الى وقف التغاضي عن قمع النظراء الفلسطينيين. نشطاء ونشيطات من التنظيم، بشكل مفاجيء، بعضهم شباب بدون وظائف احتجوا علنا وقاموا بارسال رسائل للسلطات ونظموا زيارات تضامنية لجامعة خضوري في طولكرم، التي تعاني من التحرش الدائم من قبل الجيش. هذه العلاقات التي تهدف الى تعزيز التضامن بين الأكاديميين في الجانبين في صراعهم ضد الاحتلال والقمع، هي مثابة الضوء في ظلام الصمت وتغاضي معظم الأكاديميين في البلاد.
 في الأكاديميا الإسرائيلية هناك توتر مؤخرا بسبب الخوف من المقاطعة الدولية والعقوبات ضد المؤسسات والباحثين. الادعاء الاساسي ضد المقاطعة هو أن مبدأ الحرية الأكاديمية يناقض الخطوات التي يقوم بها القائمين على المقاطعة. لكن ماذا عن الحرية الاكاديمية للجامعات الفلسطينية؟ ماذا عن الحرية الاكاديمية لنظرائنا الباحثين والباحثات الذين يعملون هناك، والطلاب الذين يدرسون هناك؟.
 في الثمانينيات أثار اغلاق الجامعات واقتحامها من قبل الجيش الإسرائيلي الاحتجاج الجماهيري الذي وجد تعبيره في اقامة "لجنة التضامن مع جامعة بير زيت". ويبدو أن القمع والاخلال بالحرية الاكاديمية الفلسطينية الآن لا تثير الاحتجاج، رغم ابتعاد الأكاديميين الفلسطينيين ورفضهم التعاون مع الأكاديميين الإسرائيليين، إلا أنه يجب على الأكاديميين الإسرائيليين النضال بتصميم وبصوت مرتفع ضد القمع الذي يشمل منع الحرية الاكاديمية في فلسطين. نشاط "المساواة الاكاديمية" هو نشاط تضامني مهم من شأنه أن يقود الى النضال المشترك للأكاديميين من الشعبين. سنونو أولى لكسر صمت الأكاديميين الإسرائيليين.
 هناك مسؤولية كبيرة تقع على الباحثين والباحثات في الاكاديميا الإسرائيلية. يجب عليهم العمل بتضامن وشجاعة، ليس بسبب الخوف من مقاطعتهم ومن فرض العقوبات الدولية، بل لأن الانغلاق والتفاخر بالحرية الأكاديمية غير اخلاقيين وغير ديمقراطيين، طالما أن الحرية الأكاديمية ليست ملكا للجميع.
لا يمكن ترك الصراع ضد الاحتلال في أيدي منظمات المجتمع المدني، حتى لو كان كثيرون من الاكاديميين نشطاء في هذه المنظمات. مطلوب من المنظمات التعليمية والاتحادات المهنية والأكاديمية واتحادات الطلاب اتخاذ موقف واضح وحاسم، بروح مباديء الأكاديميا التي توجد في الدول السليمة. هكذا فقط ستتوقف اعتقالات الباحثين لاسباب سياسية واغلاق مراكز الابحاث التابعة لهم.

التعليق