أمنيات وكولسات

تم نشره في الجمعة 24 آذار / مارس 2017. 01:03 صباحاً

الأمة العربية التي حرمت شعوبها من الديمقراطية وفرص التنمية والتقدم، وتأججت بين مكوناتها الحروب الاهلية والصراعات الطائفية، واصبحت صور القتل والموت والدمار جزءا من المشهد اليومي، بعد أن كانت عواصم الخلافة في دمشق وبغداد والقاهرة تتناوب على كونها مراكز علم وفكر وادارة وتجارة. اليوم تتطلع  الكثير من البلدان العربية الى الخلاص من الفوضى التي دبت في اوصالها، والطائفية التي مزقت وحدة شعوبها، والاستقرار الذي  يبدو بعيدا في ظل تشظي الشعوب وتعمق الصراع، وفقدان كثير من الانظمة للسيطرة، وغياب  الحس بالأمن والثقة والعدالة لدى شعوب البلدان التي انهارت او التي دخلت في عداد البلدان الفاشلة.
الامن والعدل والكرامة والحرية، والخلاص من خطر الموت ودمغة الارهاب، باتت اهم المطالب والآمال التي تتطلع إليها الشعوب العربية وهي ترقب القمة العربية التي ستعقد عند اقرب نقطة جغرافية عربية للقدس التي كانت، وستظل، محط آمال الشعوب العربية، ورمزا من رموز هويتها ووجودها.
عند اخفض نقطة على الارض، وفي موقع يحمل ارثا تاريخيا وروحيا، تنعقد القمة التي يراقبها العرب والعالم  بشيء من الامل، وبالكثير من القلق واليأس الناجم عن غياب الشروط الضرورية لنجاحها.
في الوقت الذي استكمل فيه الاردن استعداداته لانعقاد القمة والسعي الحثيث لخلق مناخ اكثر ايجابية يطمئن المواطن العربي ويبدد الانطباعات السائدة بوجود حالة من الخدر واليأس العربي، تأتي تصريحات الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط حول امكانية ان تحمل القمة القادمة بعض المفاجآت والأخبار.
الحديث الذي نشر على لسان أبو الغيط، يشير الى وجود موقف فلسطيني يحمل مقترحات جديدة لحل نهائي للقضية الفلسطينية. الاخبار التي جرى تناقلها قبل انعقاد المؤتمر ليست غريبة ولا صادمة، فقد اعتادت القمم العربية وغير العربية على  الكولسات والتنسيق المسبق حول المواقف قبل انعقاد القمة.
الجديد في القمة القادمة يتمثل في سرعة وصول الاخوة الفلسطينيين الى صيغة او مقترح جديد والتباحث مع الاشقاء المصريين على نقل  المقترح للإدارة الاميركية خلال  الزيارة التي سيقوم بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للبيت الابيض في نيسان (أبريل) المقبل. 
السؤال المطروح على الاخوة الفلسطينيين والزعماء العرب يتعلق بمسوغات ودوافع تطوير الاقتراح الفلسطيني، ودرجة تيقن العرب من استعداد ورغبة اسرائيل في الوصول الى سلام، خصوصا والامة تمر في أسوأ مراحل فرقتها وتفككها؟
وأيضا، ما قيمة عرض ذلك على القمة اذا كان الاتفاق قد حصل؟ اضافة الى اسئلة اخرى تتعلق بكيف تم التوصل الى هذه الصياغة؟ وهل جرى بحث ذلك مع الاردن بصفته رئيسـا للقمة الحالية، والذي يقول المنطق انه المخول بأن يتحدث باسم  المجموعة العربية بهذه الصفة.
تصريح الامين العام حول وجود مفاجأة  تتعلق بالقضية الفلسطينية، تصريح غريب وغير مفهوم؛ ففلسطين وقضيتها التي استمرت عبر ما يزيد على قرن، هي قضية لا تحتمل المفاجآت، فهناك ثوابت عربية لم يتمكن الزعماء الذين تمتعوا بشرعية عربية واسعة أن يبدلوا او يغيروا في الشروط والمطالب العربية، بل ظلوا يعيدون ويكررون المبادئ والقرارات التي جرى حولها التوافق الاممي بدون زيادة او نقصان.
لا اظن ان احدا يستطيع ان ينجح في التعديل على الثوابت العربية التي رفضتها اسرائيل واستمرت في استراتيجية خفض التوقعات العربية مع الابتلاع التدريجي للارض والطمس المبرمج للهوية، خصوصا والامة في اشد حالات فرقتها وتمزقها وضعفها.
ما يوحي به التصريح ان التفكير العربي ما يزال بعيدا عن المؤسسية المفترضة  التي ينبغي ان تعكسها الجامعة العربية بدلا من العشوائية التي لا تعبر الا عن مزاج من يؤثرون على صناعة القرار. كنا نتوقع ان تطرح افكار ويتم عرضها ومناقشتها، ومن ثم تتولى القمة اتخاذ قرارات حولها، وتسند مهمة متابعتها الى لجنة من الزعماء العرب تكون من رؤساء القمم السابقة والحالية واللاحقة.
القمة التي تنعقد في ظروف صعبة ووسط انقسام عربي حول الكثير من الملفات، كانت تحمل بارقة امل في ان تبعث في الأمة روحا جديدة بعد أن انهكتها الصراعات والخلافات التي تتوالد حول كل القضايا في السر والعلن.

التعليق