لقطة مريرة للدراما الأردنية

تم نشره في الأحد 26 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

يلهث أبناء الوسط “الفني” الأردني وراء لقمة العيش، طبعا كبقية المواطنين في مخلتف القطاعات، مع أنه يمكنهم تشكيل واجهات تنموية، مدرة لفرص العمل والدخل، فمنذ وعينا التلفزيون، ونحن نسمع قصص الفنانين والمخرجين الذين قدموا أعمالا جميلة منذ أيام “الابيض والاسود”، وغابوا مع “الملون” قليلا، ثم تلاشوا مع “الديجتال”، و”الثري دي”، وأضحوا في حفر النسيان، بعضهم رحل ولم يعد يذكره احد، الا من باب “جبر الخواطر” وبعضهم اكلته الدنيا والامراض والفاقة، وأصبح نسيا منسيا.
شركات انتاج نهضت قبل تسيعنيات القرن الماضي، لم يعد لها أثر أو تأثير. ممثلون ومخرجون كبار لم نعد نراهم أو نسمع بهم على شاشة التلفزيون. فنيون وتقنيون هجروا المهنة، وبعضهم وجد عقد عمل في الخارج، فمضى اليه ليتوقف عن اللهاث خلف اللقمة ولو قليلا، وليغب عميقا في النسيان، لا يتذكره أحد الا حين يبث بوستا على صفحته في الفيسبوك، أو حين يزور عمان ويدعو الأصدقاء إلى مقهى أو وليمة.
زمن الفن الأردني الجميل، بدا وكأنه جمعة مشمشية، استهلتها السبعينيات بأعمال تلفزيونية، احتلت الشاشات العربية، وتحديدا الخليجية، التي لم تعد تستقبل الأعمال الأردنية الا لماما، بحكم نهوض “دراما خليجية”، لا تتصل مع الواقع العربي، أو تمتح منه، إنها دراما مسكونة بالفلل والقصور، إلا قليلا.
كانت الأعمال الفنية الأردنية التي ساد التعبير فيها عن البيئة البدوية، وعلى نحو تلفزيوني مثير للكثير من النقد والاستهجان، تنافس في  “سوق المشاهدة” العربية، حتى تندر بعض الفنانين العرب، بان المسلسل البدوي أصبح كاوبوي الأردن. لكن ذلك لم يغفل حضور أعمال ريفية وحضرية، ذات جودة مناسبة.
مع بداية التسعينيات وقعت الدراما الأردنية في فخ حرب الخليج. صحيح انها لم تقدم عملا يتعرض لهذه الحرب، بأي شكل من الاشكال، لكن التلفزات الخليجية التي كانت مصدرا رئيسا لشرائها، توقفت عن ذلك، بسبب وقوف الأردن إلى جانب العراق.
وعلى الفور، احتلت الدراما السورية الشاشات العربية، لتقف إلى جانب منافستها المصرية، ولتغيب الأردنية تماما، وتصبح ذكرى، تجتر نفسها اليوم بأعمال باهتة لا لون ولا طعم لها، إذا ما قورنت بزمن الصورة المذهل الذي نتفرج عليه في أيامنا.
ومع تردي اوضاع المنطقة العربية، أصبح كل نطاق فني عربي مسؤول عن نفسه، ولم تعد هناك قوى فنية جاذبة للمشاهد العربي الذي يقضي جل وقته في متابعة ما يبث على “اليوتيوب”، ومشاهدة الأعمال الاجنبية.
وبعبارة موجعة يمكننا ان نقول إن الدرامات العربية جميعا تهاوت، ولم يعد هناك انتاجات مهمة فيها، واضحت الشاشات العربية ـ لانها غالبا رسمية، أو تترسمن، مصابة بالقرون الوسطى، وعلى شاكلتها الدراما الأردنية التي لم يعد لها صوت ولا صورة.
جيل جديد من الفنانين الأردنيين كان يمكنه ان يحقق بعض المنجزات، وتجاوز محنة الفراغ الذي تعيشه شاشتنا، وما تفرخ عنها من شاشات تتميز برداءة الصوت والصورة والاداء، سيعيش حاليا أزمة كالتي حدثت بعد تسعينيات القرن الماضي، نسيان وغياب وامتهان التطريز بسبب قلة الشغل.
لم تنتبه المؤسسة الرسمية ولا تريد ان تتنتبه، إلى أن نظرة معقولة منها لواقع الفن في الأردن، يمكنها جلب استثمارات كبيرة لتشغيل هذا القطاع بما يخدم البلد تنمويا ويحقق لنا حضورا عربيا وعالميا جيدا، ولو وضعت أمامها هذا الملف، وقرأته بعين متبصرة، مدركة لقيمة الإعلام والفن في رفد الاقتصاد ومشاريع التنمية، إلى جانب ما سيقدمه من صورة مختلفة عن الأردن للعالم، لأصبح لدنيا قطاع استثمار مهم ومشغل لآلاف الأيدي العاملة إلى جانب الصورة الجميلة التي سيقدمها عنا، وبالالوان.

التعليق