عيسى الشعيبي

قمة عمان

تم نشره في الثلاثاء 28 آذار / مارس 2017. 01:04 صباحاً

وسط توقعات منخفضة السقف، وخيبات أمل فاضت بها كؤوس الذاكرة المشتركة منذ زمن بعيد، إزاء أداء ارفع مؤسسة عربية لديها القدرة على اتخاذ القرار، تنعقد غداً في أخفض نقطة على وجه الأرض قمة عربية جديدة في موعدها الدوري دون تأخير، وعلى جدول أعمالها جملة طويلة من القضايا والأزمات ومشاريع قرارات، أحسب أنها ستمر بسلام ووئام، أو بالحد الأدنى من التوافق الذي تمليه المجاملات والتقاليد العربية، والمواءمات بين القادة الكبار.
وأياً كانت الاعتبارات والضرورات التي حملت الأردن على استضافة قمة عمان على شاطئ البحر الميت، فقد كان اختيار هذا المكان مناسباً وموفقاً من عدة وجوه، بعضها عملي اقتضته الترتيبات الأمنية المحكمة، وبعضها الآخر رمزي حتى لو كان بالصدفة البحتة، ونعني به اجتماع قادة الأمة- لأول مرة- على بعد مرمى حجر من القدس، الحاضرة دائماً في كل المؤتمرات العربية المتتالية على مدى العقود الطويلة الماضية.
 ومع أن الموضوع يُقرأ من عنوانه، بما في ذلك موضوع هذه المقالة، التي لم يتمكن صاحبها من الإفلات من "سحر" هذه القمة، إلا أن المضمون الذي يشغل بال الحاضرين في هذا الاجتماع، ولو في ظاهر الأمر، يستحق التعاطي معه دون تهليل أو تهوين، أي بلا مبالغات، على نحو ما درج على اتباعه كثير من المعلقين المتشائمين حيال مؤسسة القمة، الباقية وحدها كشاهد إثبات على أن العرب قادرون بعد على التخاطب فيما بينهم، رغم كل ما يطفو على السطح من خلافات.
والحق أن انعقاد مؤتمرات القمة، أو صدور بياناتها الختامية المعدة سلفاً، لم يعد ينطوي على مفاجآت، أو يعد بحدوث اختراقات، نظراً لما آل اليه الحال، حيث بات اختتام القمة دون حرد من هذا الوفد أو انسحاب ذاك، وتمرير البيان المشترك من غير اعتراضات حادة او تحفظات، هو غاية الأرب للدولة المضيفة، المعنية بجعل المياه تجري في مجاريها المعتادة، ومن ثمة تجنيب الرئاسة الدورية أي حرج، أو هرج ومرج، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
وليس من شك في أن الاردن الذي استعد لهذه القمة جيداً، وتعاطى مع استحقاقاتها بكل جدارة، هو اليوم اكثر ما يكون عليه " المعزب" اطمئناناً حيال انتظام سير أعمال هذا المؤتمر وفق ما هو مقرر من قبل، وربما بأفضل مما كانت عليه المؤتمرات المماثلة في السابق، خصوصاً بالنسبة للموضوع الفلسطيني، وهو أقل الموضوعات المدرجة على أجندة القمة إثارة للخلافات البينية، قياساً بما هو عليه الوضع بالنسبة للقضايا العربية المتفجرة في سورية وليبيا واليمن والعراق.
ولعل أثمن ما قد يصدر عن القمة العربية هذه، وهو أمر في متناول يد الزعماء العرب، أن يتم تفعيل القرارات الصادرة عن القمم السابقة، ليس ما تعلق منها بالخطاب السياسي العمومي الموجه إلى الغير، وإنما ما يتصل بالالتزامات التي تعهد بها الملوك والرؤساء حيال متطلبات تعزيز الصمود والمقاومة الشعبية ضد الاحتلال الاسرائيلي، الذي لا يلتفت في العادة إلى نتائج هذه القمم، التي تظل حبراً على ورق في أغلب الأحيان، إلا إذا حدث فيها تلاسن أو شقاق.
وبغض النظر عن النتائج المتوقعة لقمة عمان، ورغم تواضع الرهانات الشعبية المعلقة عليها، فإن حضور هذا العدد من قادة وزعماء الدول الأعضاء، يُعد مكسباً سياسياً في حد ذاته، لا سيما بالنسبة للدولة المضيفة، التي تشعر في قرارة نفسها بالرضى عن الدور والمكانة، وهي لا ترى دولة قاطعت، أو زعيماً آثر عدم الحضور لسبب غير مفهوم، الأمر الذي يعتبر رصيداً سياسياً للدولة القادرة على إقامة جسور اتصال  وتواصل مع جميع الدول الشقيقة بلا استثناء.
ازاء ذلك كله، فإن على المراقب المسكون بحس الحذر والتحوط الغريزي، ألا يصدر أحكاماً مسبقة، وألا يصادر نتائج القمة قبل أن تبدأ، فيما يعتبر الارتقاء بمستوى العمل العربي خطوة واحدة إلى الأمام، أو درجة ضئيلة إلى الأعلى، مكسباً عزيزاً في هذا الزمن العربي المثير للكآبة والإحباط، وفي هذه الآونة التي يفتقر فيها الناس إلى شعاع أمل في آخر النفق الطويل، إذ ليس بالإمكان أفضل مما كان.

التعليق