"والفتنة أشدّ من القتل"

تم نشره في الجمعة 31 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً
  • مواطنون عراقيون مع أطفالهم اجبروا على ترك منازلهم في الموصل والبحث عن ملجأ يؤوهم -(ارشيفية)

أسامة شحادة

تتواصل الأخبار الدامية حاليا من الموصل المذبوحة تحت نظر العالم دون تحرك جدّي من القريب أو البعيد، حيث تتصاعد أرقام الضحايا بشكل جنوني، والذين تُراق دماؤهم وتُزهق أرواحهم تحت القذائف العمياء والركام الثقيل.
ورغم تحذيرات كل العقلاء والشرفاء من ضخامة حقد القلوب السوداء للمليشيات الطائفية على أهل الموصل وأن نفسية الثأر والانتقام هي التي تقود المجاميع الإجرامية، الظاهرة والمستترة، تحت دخان وغبار الصواريخ والحرائق والبيوت المهدّمة، إلا أن أحداً لم يستمع أو يكترث لها.
ودماء المسلمين، ومنذ عدة سنوات، تُسفك بغزارة، وفي أرجاء واسعة من العالم، حيث يتعرضون للقتل بأبشع الأشكال والطرق، ويقوم بذلك مجرمون من مختلف الملل والأيديولوجيات والدول والقارات.
وتتعرض مساجدهم ومدارسهم ومنازلهم وممتلكاتهم وأطفالهم ونساؤهم للاعتداءات، جهارا نهارا، بحجّة محاربة الإرهاب، وبحجّة الحفاظ على السلم والسلام، والتعايش كما يزعم اليهود وهم يقتحمون الأقصى دوما مدججين بالسلاح لحماية قطعان المستوطنين والمتعصّبين!!
لو قدر للحقيقة أن تظهر لكُشف أن عدد القتلى من المسلمين في هذه السنوات القليلة من القرن الواحد والعشرين قد بلغ الملايين، ولكن المسلمين لا بواكي لهم، بينما غير المسلمين، وأهل السنة بالتحديد، لو قُتل منهم بضعة أنفار لوجدنا العالم يضجّ بالبكاء والعويل، وقد أصبح المسلمون حيارى؛ فإن كانوا أقلية كالأقليات، في مكانٍ ما، يتم قتلهم دون نكير! وإن كانوا أغلبية، في مكان آخر، يتم قتلهم أيضا، ويُطلب منهم عدم الاعتراض!
قتل امرئ في غابة جريمة لا تُغتفر         وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
هذا الإصرار والاتفاق العالمي على قتل المسلمين يطرح –وبقوة- التساؤل عن الغاية من إجماع الفرقاء المتشاكسين -رغم كل صراعاتهم وخلافاتهم- على إراقة الدم المسلم وقتله، وعدم الاكتراث بذلك.
هل لأنهم يعلمون أن المسلم يشكل خطرا عليهم لكونه لا يقبل باطلهم؟
فالمسلم لا يقبل أن تُحتل بلاده وتنهب خيراته من الغزاة والمعتدين، وهذا يقلق اللصوص الذين ينهبون ثروات الشعوب خفية أو علانية عبر الاتفاقيات والعقود الفاسدة.
ولأن المسلم لا يقبل أن يُسام الظلم، ويُحرَم من حقّه، وأن يقصى عن حقه بالعيش في ظل العدالة، فهذا يزعج الظالمين الذين استمرؤوا الظلم، كابرا عن كابر، وهدموا البلاد وقتلوا العباد حفاظًا على بقاء ظلمهم ورفضا لإعطاء الناس حقهم كما فعل الطاغية بشار.
ولأن المسلم لا يقبل أن يُفرض عليه الكفر والشرك والإلحاد عبر التعليم أو الإعلام أو القوة، والتي متى سادت أصبحت البشرية كالخراف والعبيد بيد الطغاة والجبابرة في عالم السياسة والاقتصاد، ويصبح همّها الجري في سوق ملذات الاستهلاك لتتضخم جيوب أربابها على حساب سعادة الفرد والمجتمعات والدول الفقيرة والنامية.
ولأن المسلم لا يقبل أن يكون ضعيفا تابعا وتافها، فهو صاحب رسالة وهداية للبشرية تنقذها من جحيم المادية المتوحشة التي أشعلت الحروب العالمية واستخدمت القنابل النووية والكيميائية ونشرت المخدرات وأفرزت الأمراض الجنسية المهلكة.
وهذه الإجابات تطرح سؤالا جديدا: هل يمكنهم قتل كل المسلمين، لترويج باطلهم؟
بالطبع الإجابة بالنفي، ولكن هذه الحالة من القتل المستمر والدائم لعدة سنوات ستكون له نتائج وانعكاسات معلومة لهم تماما وهي جزء من المراد والغاية المقصودة للقتل.
فهذه الحالة البائسة تصل بقطاع من المسلمين لليأس والاستسلام والقنوط، وهذا ما يريدونه لهم.
وقسم آخر بعكس هؤلاء وهم من يتطرفون لأقصى حدًّ، وقد رأينا بعض الناس -بسبب القتل واليأس وغياب الأمل- أصبحوا وقودا لتنظيمات إرهابية كداعش، والتي ستستغل من جديد كمبرر لقتل آلاف الآلاف من المسلمين، وهذه قمة الخبث والمكر!
إن هذه الدوامة المدمرة من مناخ القتل وتفريخ المتطرفين تتعاظم لتكون جيلا من الأطفال/الشباب جاهل حرم من الحنان والأمان وحرم من التعليم وحرم من التوجيه الديني السليم والذين سيشكلون في المستقبل قنبلة ضخمة جاهزة للانفجار.
وقسم هرب من واقعِه بتقبل أفكار الإلحاد وعبدة الشيطان وغيرها.
وقسم غرق في الإدمان وعالم الأوهام.  
ولذلك يجب أن نتنبّه أن القذائف والصواريخ التي تقتل الأرواح وتُسيل الدماء وتهدم المنازل والدور ليست وحيدة، فهناك قصف للعقول، يتمّ عبر المحطات الفضائية وأجهزة الاتصالات تستهدف دين المسلمين وعقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم والتي تتمثل في:
- حملات الهجوم على المقدّسات الإسلامية باسم حرية الإبداع وحق التعبير لا تقلّ عن الحملات الصاروخية في الموصل والقلمون، ومنع الحجاب والشعائر الإسلامية لا يقلّ عن منع الغذاء والدواء عن الأبرياء والضعفاء في جوبر ومخيمات نازحي الموصل.
- المنصات الإعلامية للفكر المتطرف الفاعلة والنشطة في نشر سمومها وبث ضلالها بين الجماهير الغاضبة لا تقل خطورة عن هجمات داعش وأخواتها الإجرامية في أرجاء العالم، والمشكلة أن هذه المنصات تنطلق عبر سيرفرات معلومة لكبريات الشركات في كبريات الدول في العالم!
- خطاب القنوات الطائفية التي ترعاها إيران ووكلاؤها لتسعير مطالبات الثأر الطائفية ومنح المجازر البشعة التي ينفذونها الشرعية والمشروعية وتجمع حولها البسطاء والسفهاء ليصبحوا محامين للشيطان ضد أمتهم. 
هذه الحرب المعنوية على دين المسلمين هي أخطر ما يتعرض له المسلمون، إذ لن ينقذ المسلمين المستضعفين إلا المسلمون الأقوياء بدينهم وبأسباب القوة، وإضعاف تديّن المسلمين هو حكمٌ على الضحايا بالزيادة وحكم باستمرار قتلهم وإسالة دمائهم.
فموازين القرآن الكريم تنصّ صراحةً على أن "الفتنة أشدّ من القتل" (البقرة: 191)، والفتنة هي العودة للشرك بالله بعد نعمة الإيمان والإسلام، وهي أشد وأخطر على المسلم من قتل الكفار والأعداء له، لأنه حين يُقتل بسبب إسلامِه يكون شهيدا بإذن الله ويستحق الجنة، وسيُعاقَب من قتله ظلما وعدواناً بنار جهنم، قال تعالى: "إن يمسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين" (آل عمران: 140).
لكنّ المسلم إذا فُتن عن إيمانه ودينه وتوحيده، ورجع للشرك والكفر والإلحاد، فإنه يكون قد خسر الدنيا والآخرة، وهذه الطامة والكارثة الكبرى، وهذا ما يعمل أعداء الإسلام عليه، قال تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّونكم عن دينِكم إن استطاعوا" (البقرة: 217)، وقد بيّن لنا سبحانه وتعالى حال أهل الإيمان عبر التاريخ بأنهم يُقتلون بسبب إيمانهم، فقال: "قُتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قُعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد" (البروج: 4- 8)، فالصراع الحقيقي هو الصراع مع الإسلام، لأنه بزوال الإسلام من قلوب المسلمين تُفتح الطريق لكل المجرمين للإفساد في الأرض.
فمن الذي يُدافع عن الفضيلة اليوم في وجه طوفان الدعارة والانحلال والأمراض الجنسية والوحدة والغربة التي يعيشها البشر؟
ومن الذي يرفض جشع الرأسمالية المتوحشة أو طمع قادة الاشتراكية الذين يُفقرون الشعوب لصالح نخبة الحزب المركزي؟
ومن الذي يسعى لدعم الفقراء وحمايتهم دون غرض في ثرواتهم المخبوءة، ودون أن تُدفن في صحاريهم النفايات النووية؟
ومَن ومَن ومَن ...
إن من المهمّ جدا مكافحة ومقاومة الحملات المنظمة التي تجول بين المسلمين وشبابهم بدعاة متحركين أو الحملات الخبيثة، عبر وسائل التواصل والعالم الافتراضي لبث الضلال بكافة أنواعه من دعاة الإلحاد وعبدة الشيطان ودعاة الفرق المرتدة عن الإسلام كالقاديانية الأحمدية وغيرها وكدعاة الطائفية ودعاة التطرف، ومثلها الدعوات والبرامج الإعلامية التي تَنشر الرذيلة والإباحية والفجور باسم الفن، لأنها طريق لما بعدها، ووقائع الأيام أثبتت ذلك وتثبته دوما.
وختاما؛ فإن الإسلام والمسلمين هم المنتصرون دوماً، إما بالشهادة والنصر في الدنيا، أو بالجنة في الآخرة، وهذه الموجات من القتل الإرهابي والظالم للمسلمين سرعان ما ستنعكس على الأعداء نارا تُحرق باطلهم، ونورا يضيء درب المسلمين للمستقبل.

التعليق