في ضرورة التفاهة: جذر الإنبلاج الحضاري

تم نشره في الجمعة 31 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

عندما تتجلّى التفاهة في مجتمع من المجتمعات، فإنها تطال أعماق هذا المجتمع بالدرجة ذاتها التي تطال فيه قمة رأسه؛ من دورات المياه إلى رؤوس المثقفين. إذ لا يعود نمط التفاهة نمطاً مُتعلقاً بفئة على حساب فئة، أو بشيء (دائماً ثمة استثناءات، وإلا لتحوّلت الحياة بصيغتها الكلية إلى نوع من العبث المُطْلَق) على حساب شيء آخر، أو بمنتج على حساب منتج آخر، بل تصبح السمة العامة لهاتِهِ التفاهة التي يُسعى إلى اجتراحها وتخليق سياقاتها، انسجاماً مع روح الأمة المُتهالكة، سمة جمعية وإن انْتُقِدَت بشدّة من قبل المجموع الكُلّي للأمة، فالكُلّ شركاء في تفعيل هذه التفاهة على المستوى السلوكي ونقدها –في الوقت ذاته- نقداً سلبياً على المستوى الذهني. فهي بمثابة البصمة الخاصة بمجتمعٍ من المجتمعات، يعاني من طور الانحطاط الحضاري شبه الكُلّي، لذا لا يفتأ يتغنّى بتلك التفاهات ويُبرز قيمتها في الواقع المعيش، بصفتها تعبيراً كبيراً عن روح ذلك المجتمع. 
إذاً، عندما تتجلّى التفاهة في مجتمع من المجتمعات، فإنها تطال الذُرى والأعماق، سواء بسواء. تنعدم نظافة دورات المياه وتصير قذاراتها مأثرة المجتمع التافه، بل تتحوّل إلى لوحات فنية يضطلع روادها باجتراح معالمها القبيحة، وذلك بالتعبير عما تجول به خواطرهم وتجود به أقلامهم، فلا مكان أفضل من دورات المياه تلك  للتعبير عمّا هو مكبوت في الرؤوس. وتصير الكتب الجيدة نادرة وعزيزة، رغم تغنّي أصحابها بجودتها وعَظَمَة موضوعاتها، وتتحوّل الشوارع إلى مكبّ نفايات كبير، يلقي فيه الكُلّ أوساخه، في الوقت الذي يَذُمُّ فيه الكل تصرّفات الكل، ويتحوّل الفساد السياسي والاقتصادي والديني والثقافي والاجتماعي إلى ميزة كبرى يُتبَادَل فيها الأدوار بين المفسدين، بحيث لا يتمّ تهديم فساد في منطقة ما، إلا ويكون قد نبت في منطقة أخرى، ويصير الغش والخداع والنفاق حاجات ضرورية لبقاء المجتمع التافه على قيد الحياة، ويتحوّل الغناء إلى هرج ومرج لا إلى إبداع صوتي، ويصير الرقص خلاعة لا استنطاقاً لما يتماوج في الرأس من أفكار نبيلة لتهذيب الجسد وتحريره، ويصير الفن تسلية مجانية لا محاكاة روحية، ويتحوّل الشِعْر إلى مبانٍ خالية من المعاني، وتصير الأفكار اجتراراً لما في أفواه الآخرين لا إلى ما في عقول المفكّرين، إلى آخر هذه التمظهرات، التي تطبع المجتمع بطابعها المأساوي.
لكن، أية ضرورة للتفاهة كما أشرتُ في العنونة أعلاه؟
أنا أقول: إنها مسلكية طبيعية من مسلكيات الانعتاق الحضاري، فبدون استفراغ هذه النفايات لن يرتاح المجتمع، ويُسْلِم جسده المُتعب إلى روح حضارية سليمة، لديها القدرة على استهلاك الوقت الذي استنفدته في الترويج للتفاهة، فيما هو مفيد ونافع على المستوى الحضاري. فقذارة دورات المياه في الجامعات الحكومية والخاصة، والشوارع المُدمّرة بفعل فساد مبدئي في العطاءات، وانتشار الكتب الردئية، ومحاربة الطرب الحقيقي بأغانٍ لا معنى لها، ومحاربة الرقص الذي ينتصر لحقيقة الروح المُؤسِّسة للجسد التوّاق للحرية، برقصٍ خالٍ من أيّ بُعدٍ روحي، وانتشار الغش والفساد على حساب الشرف والاستقامة، وانتشار الشِعْر الردئ المُعبّر عن خلجات الذات تعبيراً فجّاً وممجوجاً، على حساب الشِعْر الناضح بالمعاني الإنسانية العميقة، وانتشار وانتشار...إلى آخر هذه التفاهات، وتجمّعها في بؤرة مجتمع من المجتمعات، وتعاظم مسلكياتها، هو بلا شكّ تعبير أخير عن روحٍ تتهاوى إلى مدارك الهلاك الأخير، وانحدار مُدوٍّ ناحية الأعماق السحيقة، فالمجتمع الذي يروم أن يتحرّر، انسجاماً مع دورة الأمم وتعاقب أدوارها الحضارية، يجنح ناحية تعميق التفاهات وتمكين المجتمع منها تمكيناً شاملاً، بحيث لا يعود ثمة فرق –في الجولة الأخيرة منها- بين مُفكّر وعامل نظافة، أو بين راقصة وأستاذ جامعي، بين كبير أو صغير، بين ذكر أو أنثى، بل الكُلّ شركاء في لفظ كلّ ما هو تافه، وتطبيق ذلك تطبيقاً عملياً لوقت طويل، إلى أن يلفظ المجتمع آخر ما في جوفه من قذارات ونفايات، فيرتاح على اثرها، فيكون جاهزاً لإسلام جسده المُتعب إلى روح حضارية جديدة ومعافاة.
لكن، ينبغي عليّ أن أنوّه إلى نقطة جدّ مهمة هَهُنا، مفادها أن الحديث عن ضرورة التفاهة، كمرحلةٍ قصوى قبل الانبلاج الحضاري الجديد، لا يعني التسليم بهذه التفاهة والتشريع لمقتضياتها الحياتية، بل محض توصيف لها والعمل على التسريع في معالجتها، وذلك بالتأشير على تمظهراتها الواحدة تلو الأخرى للحدّ منها، عبر ضخّ ما هو مضادّ لها، ولو على المستوى الفردي بدايةً، فالتطوّر الفردي وتلمّسه لمظاهر الخراب الجمعي، سيحدّ بلا شكّ –بالتقادم وتمكين المنجزات الفردية- من هذه التفاهات، ويُعجّل من تقهقر بنيتها وتداعي أساساتها، بما يفضي إلى تفسخّها وموتها، والتبشير بزمن جديد؛ زمن الإبداع الحضاري. لكن تأخّر إنجاز مشروع التحرّر من التفاهة، رَهْنٌ بشرطيين أساسيين:
1 - مدى تجذّر فكرة التفاهة في أذهان الناس، بحيث يتعالق ما هو قارّ في الرأس مع ما هو قارّ في الواقع المعيش، بحيث تتطلّب عملية التحرّر من التفاهة جُهداً مُضاعفاً.
2 -    تعميق فكرة الفردانية في مواجهة الكتلة الجمعية، "فأثينا تُشبه حصاناً كسولاً –على ما يقول سقراط- وأنا –يواصل سقراط- أشبه الذبابة التي تحاول إيقاظها وإبقائها حيّة". فالتطوّر الفردي كفيل بنقل المجتمع من طور الانحطاط إلى طور الانبلاج، فالروح الوثّابة لدى فرد مُتحفّز كفيلة بأن تتجاوز تفاهات كثيرة وكبيرة، ولقد أثبتت التجربة التاريخية للإنسان، قدرة الفرد على تجاوز محنة الجماعة، والاضطلاع بدور محوري ليس في التأشير على مكامن الخراب والوقف منه موقف المُتفرّج، فحسب، بل والاضطلاع برؤى جديدة أيضاً، تُطبّب المريض وتجعله قادراً على الشروع بدوره الحضاري من جديد.

التعليق