د.أحمد جميل عزم

تبغ وزيتون في "شقيف"

تم نشره في الجمعة 31 آذار / مارس 2017. 12:07 صباحاً

صدر مؤخراً كتاب معين الطاهر "تبغ وزيتون.. حكايات وصور من زمن مقاوم"، والطاهر هو قائد كتيبة الجرمق، إحدى كتائب الثورة الفلسطينية في مرحلة لبنان، والتي تطورت عما كان يعرف باسم "السرية الطلابية" التي كانت تضم بالدرجة الأولى طلاباً من جنسيات مختلفة، في الجامعات اللبنانية، ضمن تنظيم حركة "فتح"، في السبعينيات. يشكل الكتاب وثيقة بالغة الأهمية لفهم التاريخ الفلسطيني واللبناني، فضلا عن أهميته في تبيان أجزاء من المواقف السورية والأردنية من القضية الفلسطينية.
كثيرة هي الجوانب التي يمكن الوقوف عندها في الكتاب، وتحتاج قراءة تحليلية متعمقة، ولكن يمكن استدلال جزء يتعلق بقلعة شقيف، في جنوب لبنان، لأنّه يروي الكثير. فكثيرا ما يجري الحديث عن صمود القلعة أمام الإسرائيليين في الحروب نهاية السبعينيات وحتى العام 1982، وهو ما خلدته أغنية فرقة العاشقين "اشهد يا عالم علينا وع بيروت"، بقولها "وقلعة شقيف اللي بتشهد علّي داسو راس الحيّة"، لكن الكتاب وإذ يقدم تفاصيل مهمة جدا عن هذا الصمود، فإنّ توثيق عملية تحصين القلعة وتجهيزها هي الإضافة بالغة الأهمية، لأنّها توضح روح الثورة.
يصف معين كيف قرر الشبان أنّ القلعة بحاجة لإعادة تجديد، وكيف اشتركت القوات والفصائل القتالية، ووحدة الهندسة، والميليشيا، والتنظيم الطلابي، ومجموعات المتطوعين، والمشغل المركزي، وطلاب الجامعات وطالباتها، وفصائل عسكرية، ومرافقون للقائد العام (ياسر عرفات).  لم يكن الأمر مجرد سواعد تبني، فمثلا كان دور طالب تاريخ، في الجامعة الأميركية في بيروت أنّه عثر في مكتبة الجامعة على مخطوط قديم للقلعة، استفاد منه العاملون على التجديد للتعرف إلى ما يوجد تحت الأنقاض. ومن هؤلاء طلاب الهندسة وخريجوها الذين شكّلوا فصيلا دائمًا لمتابعة أعمال الحفر والتحصين، خصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع. وتضمنت عمليات البناء المعقدة حفر حُفر متعددة، دُفنت فيها غرف حديدية جاهزة لتوفير المأوى لعشرات المقاتلين، وفي الوقت ذاته حُفرت عشرات الحفر الإضافية غير المستخدمة لكي يكون صعبًا على طائرات الاستطلاع أن تميّز الحفر الحقيقية من المموهة.
كان علي أبو طوق يقود عملية البناء، ويختفي فتجده قد ذهب ليقنع سائق جرافة من صيدا بضرورة العمل في مواجهة العدو نهارًا، أو تجده على ساحل البحر مع طالبات الجامعة في تعبئة أكياس الرمل ونقلها إلى المواقع، أو في المشغل المركزي، أو يجتمع مع المخاتير لضمان التأييد الشعبي.
في القلعة كان راسم، يدرس ليلا على ضوء شمعة، خوفاً من رؤية العدو للضوء، حيث قرر دراسة التاريخ بعد إنهاء دراسة الجغرافيا. وفي القلعة، كانت العقوبة أن تمنع أحد المقاتلين من واجبات الحراسة والعمل، كان الحرمان من شرف المهام النضالية هو العقوبة، التي جعلت أحد المقاتلين يبكي لحاله.
في شقيف، كانت هناك فسحة للتفكير بملابس العيد؛ فعندما زارهم ياسر عرفات في الليلة الأخيرة من رمضان، كانت وجوه المقاتلين يعلوها الغبار من عمليات الحفر والتحصين، وملابس بعضهم ممزقة، فشكا إليه أحدهم وضع التسليح، ثم ألمح لشعوره بالغبن لأنّ بعض الوحدات في بيروت، ترتدي ملابس عسكرية جزائرية من النوع الممتاز، لافتاً ضمناً النظر لثيابهم الممزقة. حاول أحد القادة إسكات المقاتل، ولكن في ذلك اليوم بدّل أبو عمّار برنامجه، وبدل تناول طعام الإفطار في إحدى الوحدات، تناول إفطارًا أُعد على عجل في القلعة مع المقاتلين، وقبل منتصف الليل، وصلت شاحنة بها رشاش عسكري ضروري، وملابس عسكرية جزائرية تكفي للكتيبة، مع تعليمات بتوزيعها قبل صباح العيد.
كانت هناك أسلحة متنوعة، وزُوّد فصيل المدفعية بحاسبات مبرمجة، تدرّبوا عليها وعلى كيفية إدخال إحداثيات الموقع والهدف (خطوط الطول والعرض) لتقوم الحاسبة من نوع كاسيو بإعطائه باقي المعلومات اللازمة لتوجيه المدافع.
كان نائب قائد القلعة يمنيا استشهد في الحرب العام 1982. وكان التناقض الأساسي مع العدو، وما عدا هذا فثانويا، وفي مرحلةٍ طلب السوريون وضع مجموعة استطلاع في القلعة مكوّنة من أربعة مقاتلين ومعهم جهاز اتصال مع قيادتهم لمراقبة التحركات الإسرائيلية. ولم يرفض أحد، فتعزّزت علاقة كتيبة الجرمق مع الضباط السوريين وصار هؤلاء جزءا من جهد لتهريب السلاح والأشخاص عبر الحدود وصولا للأرض المحتلة.

التعليق