عيسى الشعيبي

نصف الكأس الملآن في قمة عمان

تم نشره في الجمعة 31 آذار / مارس 2017. 01:03 صباحاً

لا أعتقد أنّ أحداً على الاطلاق كان يتوقع حدوث معجزة، أو حصول اختراق نوعي في القمة العربية التي أنهت أعمالها على مرمى البصر من القدس. وليس هناك سوى قليل من الناس كانت تغالب احباطاتهم حيال اداء النظام العربي غير المتساوق مع التحديات، وتأمل في أن تقع نقطة تحول في القمة التي جمعت عدداً غير مسبوق من الزعماء العرب، لا سيما في ظل هذه الظروف المحزنة التي يمر بها عالم عربي مشتت ومستباح.
 ومع أن العبرة دائماً في التنفيذ، وفي الالتزام بالتعهدات، وليس في الخطب والبيانات، ورغم ان مجموعة القرارات الصادرة عن هذه القمة، بما في ذلك "اعلان عمان" لا ترقى الى مستوى الطموحات المعلقة على مثل هذا الاجتماع السنوي، الا انه بدا واضحاً ان الزعماء العرب لم يقدموا اي تنازلات ازاء اي من القضايا المدرجة على جدول الاعمال، بل انه يمكن القول ان القادة العرب تمسكوا بالثوابت محل الاجماع منذ نحو عقدين من الزمان.
من هذه الزاوية، يجدر بنا النظر الى النصف الملآن من كأس قمة عمان، وفي مقدمة ذلك اسهام القمة في وقف التدهور في العلاقات العربية – العربية، او الحد من الخسارات، بفضل ما ساد فيها من اجواء توافقية، وما حدث على هامشها من اجتماعات ثنائية، احسب انها رطبت الاجواء، وفضت حالات معينة من سوء الفهم والاختلافات، وهو ما يعني ان العالم العربي سيكون بعد القمة افضل حالاً مما كان عليه قبل القمة، ولو بأدنى الدرجات.
 ولعل اهم النقاط التي ملأت نصف الكأس المشار اليه آنفاً، ما تعلق منها بالقضية الفلسطينية، التي عادت لتكرس نفسها على رأس جدول الاهتمامات العربية، وتشكل مساحة مشتركة ونقطة تقاطع بين هؤلاء الزعماء، الذين جددوا في كلماتهم الافتتاحية وفي بيانهم الختامي، التمسك بحل الدولتين المطروح في قمة بيروت قبل خمسة عشر عاماً، فقطعوا بذلك الطريق على ما راج من تسريبات حول حل اقليمي ينطوي على قلب للأولويات.
وليس من شك في أن الحضور الكثيف للقادة العرب، قياساً بالقمة السابقة في موريتانيا، يعطي وزناً اكبر لمواقف الزعماء العرب المقررة زياراتهم خلال الأيام القليلة المقبلة الى واشنطن، لبحث ما يرشح عن نية الادارة الاميركية الجديدة الدخول في مسعى قد يفضي الى اعادة تحريك عملية السلام التي تنتظر في غرفة الانعاش، وذلك وفق ما اعلنته إدارة دونالد ترامب عن رغبة في ايجاد حل عجزت عنه ادارة باراك اوباما السابقة.
في التحليل السياسي الرصين، البعيد عن العدمية والآراء المتطيرة مسبقاً، والأحكام القطعية الجاهزة سلفاً، نجد ان قمة عمان قد اعادت التأكيد على الموقف العربي الجماعي التوافقي ازاء مختلف القضايا المدرجة على جدول الاعمال، وهو اقصى ما كان مأمولاً منها في ظل ما يعيشه العالم العربي من اوضاع مزرية وانقسامات، بما في ذلك المواقف المعلنة من معضلات سورية وليبيا واليمن والعراق، ناهيك عن محاربة الارهاب، وادانة التدخلات الايرانية في العديد من الساحات.
 وقد يكون أبرز ما حققته هذه القمة من مكاسب جانبية لا يمكن غض البصر عنها، الأداء الدبلوماسي الاردني الناجع لعقدها دون مقاطعات او غياب، والتنظيم رفيع المستوى المرافق لأعمالها من الألف الى الياء، وهو امر لقي صداه في الكلمات الافتتاحية للقادة، الذين قالوا كلاماً طيباً يتجاوز عبارات المجاملة التقليدية في هكذا مناسبات، ما يدعو الى الاعتزاز من جانب الاردنيين، الذين لم يستاؤوا الا من بعض الاختناقات المرورية الناجمة عن اعتبارات مفهومة على اي حال.
إزاء ذلك كله، وبالرغم من عدم ارتقاء نتائج القمة الى مستوى الطموحات المشروعة، فإن مجرد انعقادها في هذه البقعة الآمنة المستقرة وحدها في المشرق العربي، واصدار "إعلان عمان" دون اعتراضات، يعد انجازاً مهماً بمعايير الوضع الراهن في العالم العربي، الذي تقدم في هذه القمة خطوة صغيرة الى الامام، وحقق مكسباً يمكن البناء عليه، في ظل الرئاسة الجديدة للقمة، وما تتمتع به هذه الرئاسة من رصيد ثقة واحترام كبيرين، ومن حيوية قادرة على سد بعض أوجه الضعف والقصور المرافق للعمل العربي العام.

التعليق