محمد أبو رمان

سوبرمان العرب!

تم نشره في الجمعة 31 آذار / مارس 2017. 12:10 صباحاً

 لم تعد الشعوب والمجتمعات العربية تنتظر خطابات الزعماء في القمم العربية، ولم تعد تنطلي عليها البيانات والمواقف الرنانة، كما كانت عليه الحال قبل عقود. أصبح الناس أكثر واقعية وإدراكاً بأنّ هنالك "سنناً" وقوانين تحكم الدول وأوضاعها وموازين القوة والضعف، لذلك لم يكن هنالك، في الأصل، سقف توقعات مرتفع من قمّة عمان ولا القمم السابقة.
ربما هذه القناعة الشعبية، بحدّ ذاتها، هي تطوّر ثقافي ومجتمعي مهم، لأنّ ثقافة انتظار المخلّص (والمهدي وسوبرمان العرب، والزعيم الملهم والقائد التاريخي، وصلاح الدين القرن العشرين- أيّاً كانت الخلفية التاريخية والرمزية والثقافية التي تقف وراء المصطلح) كانت أحد أركان التخلف والفهم الخاطئ للعمل السياسي والخلط بين العواطف والشعارات والمواقف الواقعية والسياسية.
 كانت الشعوب العربية تغطّ في أحلام غير واقعية وتعيش في عالم الخيال، خلال العقود الماضية، أقدامها في السماء ورأسها على الأرض. مثل تلك الحالة مكّنت الخطابات الشعبوية العاطفية من "خديعة" الناس، وربما الأكثر طرافة – على قاعدة شرّ البلية ما يضحك- أن الزعماء أنفسهم صدّقوا تلك الأكاذيب وانجّروا هم كذلك وراء الخطابات الشعبوية، أو علقوا في حبائلها، فجرّوا علينا كوارث كبيرة.
عندما نعود ونقرأ، مثلاً، ما كتبه محمد حسنين هيكل نفسه – مستشار جمال عبد الناصر وصديقه المقرّب- في كتابه "الانفجار" عن حرب الـ67، تصاب بصدمة شديدة لحجم الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإعلامي والسياسي الشعبوي، الذي كان يُغرق به ناصر الشارع العربي، والوقائع المريرة والوثائق التي تكشف حجم الخلافات السورية والمصرية من جهة، والعربية عموماً من جهةٍ أخرى، وغياب أي استعداد عسكري حقيقي لتلك الحرب التاريخية المفصلية!
 بالعودة إلى محاضر الاجتماع والنقاشات، فإنّ ناصر لم يكن يرغب بخوض الحرب، ويحاول تجنبها، ويؤمن بأنّ العرب غير مستعدين بعد لها، لكنّه وتحت ضغط المزايدات مع السوريين، وبسبب محاصرته بخطابه الشعبوي، اضطر إلى خطوات مسبقة مع إسرائيل (إغلاق مضائق تيران، الطلب من الأمم المتحدة سحب جنودها من سيناء..)، ما استثمرته إسرائيل جيداً واعتبرته بمثابة إعلان حرب، فقامت بمهاجمة المصريين فجر الخامس من حزيران 1967.
الكارثة لم تقف عند تلك اللحظة، فالملك حسين كان يعلم تماماً الفرق في موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وعدم استعداد العرب لتلك الحرب، لكنّه اضطر تحت ضغط التخوين والخطاب الشعبوي الناصري، الذي اجتاح الشارع العربي والأردني، إلى إعلان وقوفه مع الدول العربية الأخرى، بالرغم من التخوين والاتهامات، ووضع الجيش الأردني تحت إمرة القيادة العربية المشتركة، وأحضر معه بالطائرة من مصر المشير عبد المنعم رياض، لقيادة الجبهة الأردنية.
 الطامة الكبرى أين؟! أنّ المعركة في مجملها لم تكن 6 أيام، كما هو دارج في كتب التاريخ، بل 3 ساعات فقط، كما يؤكّد محمد حسنين هيكل، إذ أنهى الطيران الإسرائيلي المعركة منذ البداية، بتدميره الطائرات المصرية، لكن مكابرة عبد الحكيم عامر، جعلته يحاول إخفاء هذه الوقائع عن الشعوب وحتى الحلفاء، فأخبر الأردن بأن الضربة فشلت، وطالبه بتنفيذ جزئه من الهجوم والدخول في الحرب، وهو ما كان، وكما يذكر – آفي شلايم في كتابه "أسد الأردن"، نقلاً عن الملك الحسين- بأنّه لو كان يعلم ما حدث خلال النصف ساعة الأولى لما تورط في تلك الحرب الخاسرة سلفاً.
مررت على هذه القصة، مع قصص أخرى عديدة، مثلما حدث في حرب الخليج الأولى 1990، من مآس وكوارث لأقدم مثالاً بسيطاً على مرحلة الخطابات الشعبوية والآمال الوهمية بها. فإذا كان هنالك من فائدة وحيدة لما يحدث اليوم من انهيارات في عالمنا العربي، فهي أنّ هنالك وعياً أفضل بانتهاء "ثقافة المخلّص"! 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثقافة ال Misleading (علاء المجالي)

    الجمعة 31 آذار / مارس 2017.
    لا نستطيع ان نقتل حلم "السوبرمان العربي" في اذهان الناس لانه ما يزال الحلم الجميل المتوفر لكل من هو في قوقعة التاريخ و الثقافه.. و نعلم انه كلما ساءت الامور كلما زاد الايمان بلسوبرمان العربي و يشتد معه انتظار "المخلص"..و تاريخنا و مناهج مدارسنا تغذي فكرة السوبرمان عندما تتغنى بما هو زائد عن اللزوم بقصص تاريخيه لسوبرمانات التاريخ العربي الاسلامي.
    ليس هذا فقط و لكن لا افهم لماذا نستمر بلحديث عن الاشياء الخرافيه مثل الوحده العربيه؟ و نحن لا نجد في تاريخ العرب المعاصر اية نوع من الوحده؟ لماذا نستمر بغناء "بلاد العرب اوطاني" ..ما فائدة الحديث عن لغه واحده و دين واحد و تاريخ واحد علما انها كلها اختلفت عن بعضها في كل شي ..فتاريخ الشرق الاوسط الذي يدرس في سوريا يختلف عن ما يدرس في مصر او الاردن او حتى في مدارس "العثمانيين" ..المؤلم اننا صدقنا كل هذا الكذب الفارغ و ركضنا وراء حلم نعلم الان انه لن يتحقق..ليس هنالك سوبرمان و ليس هنالك عمر بن عبدالعزيز و ليس هنالك صلاح الدين الايوبي...و لن يخلصنا الى العمل و الاصرار و التصميم و نعلم الان ان انسانيتنا فوق كل شيئ..و لا اعتقد ان هنالك وعيا افضل عندما ارى الاعجاب الفيسبوكي لجيل الشباب الصاعد بشخص رئيس سابق للعراق او بشخص الرئيس الحالي لتركيا اردوغان ..و هو شيئ غريب جدا لانني افهم الان ان كل جيل بحاجة الى سوبرمان ليتطلع اليه بلاعجاب . في اوروبا يتطلعون الى شخصيه موسيقيه مشهوره او فنان مشهور و لكن في الشرق الاوسط تتطلع الشباب الى الشخصيات السياسيه فقط مع تفضيل الشحصيات السياسيه التي تلبس الزي العسكري و التي تحمل سلاحا..
  • »الكذب الكثير الفائض (بسمة الهندي)

    الجمعة 31 آذار / مارس 2017.
    لا خلاف على ما قلته أستاذ محمد وأظن أنك أمسكت بحقيقة نهاية "ثقافة المخلص". ما أريد قوله أن القضية هي في "الكذب" أكان كذب لخدمة التعبئة والحشد (أو ما تسميه الخطاب الشعبوي) أو لخدمة الاستسلام (أو ما يسميه البعض الخطاب الواقعي). المشكلة في الكذب الكثير الفائض.
    هناك من يتحدث اليوم عن ما بعد الحقيقة/الحقائق في أمريكا وهناك شيء من الصحة في هذا المفهوم، بالنسبة للعالم العربي المعاصر فنحن نعيش ما قبل الحقيقة/الحقائق ولم نخبر يوما زمن الحقيقة/الحقائق. أظن أن ما يحدث هو أن الشعوب لم تعد تصدق السياسيين حتى عندما يقولوا الحقيقة.