جميل النمري

قمة النجاح

تم نشره في الجمعة 31 آذار / مارس 2017. 01:09 صباحاً

قمة النجاح حققه الأردن لنفسه وللقمة العربية، وهذا بالمعنى النسبي المعتدل تشبها بأجواء القمة نفسها التي اتسمت بالاعتدال والتواضع في جميع الخطابات، فلم ترفع ابتداء سقف التوقعات، ولا هربت للشعارات، بل قدمت خطابا واقعيا مسؤولا يتواضع أمام الرأي العام العربي ويعترف بالخيبات ويعد بعمل الممكن للنهوض مجددا بالواقع العربي.
لقد نأت كل الأطراف عن خوض معاركها الخاصة وتسجيل النقاط السياسية لنفسها، فقد تعبت من اللاجدوى والفشل والانقسام، ورضيت بالقواسم المشتركة حتى لو أدى ذلك إلى خلو مشهد القمّة من الإثارة باستثناء الإثارة التي حققها وجود هذا العدد من الزعماء العرب معا كما لم يحدث منذ زمن طويل. ويمكن الادعاء بكل موضوعية أن الفضل في ذلك يعود لمكان انعقاد القمة في الأردن؛ البلد الذي ليس له أي معارك خاصة أو نكايات مع أي طرف. وموضوعيا فإن أجندة الأردن ومصلحته هي في علاقة طيبة مع جميع الدول، فالأردن ليس قوة طامحة للنفوذ الإقليمي على حساب آخرين، لكنه بالمقابل، في الموقع الجيوسياسي والاستراتيجي الحساس، وهو الأكثر تأثرا بالأزمات، والحاضنة الإنسانية لإفرازات هذه الأزمات، حيث يستقبل مئات الألوف من اللاجئين، لذلك فهو البلد الأكثر حاجة للمواقف المتوازنة بعيدا عن الانحيازات المتطرفة والمغامرات، وأيضا الأكثر حاجة للدعم والإسناد للوفاء بالتزاماته الإنسانية. وبهذه السياسة المتوازنة والحريصة التي مثلها جلالة الملك عبدالله الثاني بكل حكمة ومثابرة إقليميا ودوليا، تم التحضير للقمة التي أفضت إلى هذا الحضور الذي شكل بذاته نجاحا كبيرا استكمله المسار السلس للقمة في كل محطاتها، بما في ذلك اللقاءات الجانبية لتنقية الأجواء بين بعض الدول، ولا ننسى الترتيبات اللوجستية والبرتوكولية المميزة والكفوءة التي لفتت انتباه الجميع.
يمكن قراءة البصمة الأردنية واضحة في قرارات القمة، بل ويمكن، في البيان الختامي، قراءة لغة ومفردات وزير خارجيتنا أيمن الصفدي الذي أظهر لياقة عالية في أول تحد يواجهه في منصبه الجديد، وهو بالفعل أعطى لمنصب وزير الخارجية الحضور والنكهة السياسية المفقودة من زمن طويل، وكان رأيي منذ البداية أن اختياره للخارجية كان خطوة جريئة غير تقليدية وموفقة تماما.
تبقى القمة في عيون الرأي العام الأردني والعربي موضوع تندّر واستخفاف وتعليقات لاذعة على صفحات التواصل الاجتماعي، وهذا مفهوم؛ فمهما بالغ الناس في الهجاء فالواقع العربي أكثرة مرارة وبؤسا من كل قول، إنما الأمر بالنسبة للمراقب السياسي يقاس بمعايير نسبية على خلفية الواقع العربي الراهن الملموس، وعلى كل حال أظهر الأردنيون وطنيتهم ومشاعرهم العروبية بالاحتفاء والترحيب بضيوف الأردن وضيوف مليكهم، كما أظهروا فخرهم بوجود هذا العدد غير المسبوق من القادة معا في البحر الميت على بعد خطوات من فلسطين المحتلة التي وضعت القمة نصب عينها إعادة قضيتها إلى صدارة الأولويات.
شكلت القمة نجاحا لا شك فيه، وصدرت عنها الرسائل المناسبة؛ أولا باعتبار العروبة ومؤسساتها هي الإطار الجامع الذي يريد الجميع بقاءه والنهوض به رغم كل العثرات، وثانيا أن كل الأزمات الراهنة لن تدفع بالقضية الفلسطينية إلى الوراء، وستبقى قضية العرب المركزية الملحة، وعلى العالم أن يتعامل معنا على هذا الأساس، وثالثا أن الدولة الوطنية هي صيغة الوجود السياسي للشعوب العربية تسمو فوق الانتماءات الفرعية المذهبية والطائفية والإثنية، ويجب دعمها في مواجهة العنف والتطرف والإرهاب الذي يجب مواجهته باستراتيجية شاملة؛ عسكرية وسياسية وثقافية واجتماعية. ويقوم إجماع النظام العربي إزاء كل واحدة من الدول المأزومة أو المنهارة، مثل اليمن وسورية والعراق، على دعم استعادتها لوحدتها واستقرارها عبر الحل السياسي الذي لا يستبعد ولا يقصي أحدا.

التعليق