د.باسم الطويسي

الثراء السياسي الوطني

تم نشره في السبت 1 نيسان / أبريل 2017. 12:07 صباحاً - آخر تعديل في السبت 1 نيسان / أبريل 2017. 04:28 مـساءً

انتهى مؤتمر القمة العربي في دورته الثامنة والعشرين بخير وسلام، وقيل ما قيل عنه، وعلى أقل التقدير ما حققه في استعادة النظام الاقليمي العربي التقاط أنفاسه من جديد بعد سنوات طوال من نعي العمل العربي وإعلان موته. الأهم، بالنسبة لنا، الأداء الأردني في الإعداد للقمة وإخراجها بالحال التي ظهرت فيها للعالم، ما أكد، بقوة، حجم ما يتمتع به هذا البلد الصغير والمحدود الموارد من ثراء سياسي حقيقي.
لقد استطاع الأردن أن يقدم رسائل قوية للعالم في قدرته على لعب دور صانع الوفاق وتقريب وجهات النظر، وإحداث الاختراقات الواقعية والكبيرة في الوقت نفسه؛ فقد عملت الدبلوماسية الأردنية على أهداف واقعية من حيث الشكل والمضمون وسعت بجدية ووضوح إلى تصفير الخلافات العربية، في الوقت الذي نشطت على تنقية الأجواء. ويفهم هذا الجهد في استثمار حجم الاحترام الذي يحظى به جلالة الملك عبدالله الثاني والتقدير من الجميع، والذي حشد كل هذا العدد من الزعماء، ودفع العديد منهم إلى طي صفحة الخلافات، بينما لم تترك الدبلوماسية الأردنية حتى التفاصيل والفجوات الصغيرة التي قد تتسلل منها نقاط الضعف. من هنا يفهم الحرص الأردني على أن تكون القمة في يوم واحد فقط.
كان الملك الأكثر ثقة بشعبه وبنفسه بين الزعماء العرب، والأكثر قدرة على الإقناع والأكثر لفتا للانتباه، وهو الأمر الذي أكدته هذه القمة بقوة وحمل مؤشرات على أن الملك الشاب، والذي تولى القيادة بعد زعيم كبير، بات اليوم زعيما كبيرا، بالمعنى التاريخي والسياسي، وقادرا على خلق اختراقات فعلية في واحد من أعقد أقاليم العالم.
قدم الأردن صورة مختلفة وجديدة لمعنى العروبة والعمل القومي. هذه الصورة تبلورت وتأكدت في هذه القمة، ولكنها متجذرة في الأداء السياسي الأردني القائم على دبلوماسية تعاونية وواقعية لا تصرف في التوقعات والآمال الكبيرة، وتحافظ على وضوح سياسي مرتبط بوضوح أخلاقي جعل من هذه الدولة الصغيرة قوة سياسية مؤثرة في الأحداث وفي أزمات الإقليم، علاوة على القيمة المضافة للوضوح الأخلاقي، وأحد أمثلته الكبيرة هذا العمق الإنساني الذي جعل من هذا البلد الملاذ لكثير من المهجرين واللاجئين ولكل المظلومين والمطاردين رغم ظروفه الاقتصادية الصعبة.
الدبلوماسية الأردنية مطالبة بالاستثمار في هذا الثراء السياسي، والفرص كبيرة، وتحديدا بوجود وزير الخارجية الجديد أيمن الصفدي الذي بات يحظى بتقدير وطني كبير، فحاجة الأردن اليوم، أكثر من أي وقت سبق، إلى تنويع خياراته السياسية الخارجية، بعيدا عن الارتهان لخيارات محدودة، جعلت البلد في السابق، أحيانا، منقادا في العديد من الملفات. فخلال سنوات ماضية، دخلت الخيارات السياسية والاستراتيجية الأردنية في اختبارات عديدة. صحيح أن الأردن استطاع أن ينجو من تبعات التحولات العربية، وهذا الإنجاز يعود للمجتمع والدولة على السواء، وعلى الرغم من إنجازات السياسة الخارجية التي لا يمكن إنكارها خلال هذه السنوات، إلا أنها بالفعل لم تستثمر الثراء السياسي أو الخبرة السياسية الأردنية في بناء دور أردني قادر على توسيع قاعدة الخيارات والمناورة، وهو الأمر الذي بات اليوم ممكنا، فالدور الأردني مطلوب ومرغوب؛ دوليا وإقليما. 

التعليق