إبراهيم غرايبة

تنمية للجميع: تقرير الأمم المتحدة 2016

تم نشره في السبت 1 نيسان / أبريل 2017. 12:09 صباحاً - آخر تعديل في السبت 1 نيسان / أبريل 2017. 04:27 مـساءً

التنمية البشرية تعني حرية الإنسان وفرصه في العيش بملء الإمكانات، لكل الأفراد، وليس للبعض ولا الأغلبية، لكن للجميع، في كل مكان، وفي الحاضر والمستقبل.
هكذا يفسر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية مفهوم "تنمية للجميع"؛ فالعدالة لا تقاس بعدد الذين يتمتعون بها لكن بعدد الذين يُظلمون، والديمقراطية لا تقاس بعدد الذين يتمتعون بالحريات لكن بعدد الذين يحرمون منها.
وبالطبع، فإن الفكرة تبدو واضحة وبسيطة، لكنها صعبة التطبيق في الواقع، فهي تمثل بالنسبة لنا الكمال الذي نحاول الوصول إليه أو الاقتراب منه، وهي أيضا دليل العمل والتقييم للبرامج والسياسات والتشريعات، فليست قصص النجاح التي تقدم في الإبداع والتعليم والتنمية دليلا كافيا على الإنجاز، بل إنها قد تضللنا كثيرا، وتخفي الانحياز والعيوب الخطرة في إدارة الموارد وسياسات الإنفاق العام وإدارة وتوزيع الضرائب، وربما تؤشر إلى الفشل أكثر من النجاح. فأن تتاح لفئة من المواطنين إمكانيات التمتع بالفرص والخدمات والمرافق والموارد العامة أكثر من غيرهم يعني فشلا وظلما أكثر من ألا يكون ابتداء مثل هذه النماذج.
يتقدم في بلادنا مستوى التنمية مؤشَّرا إليه بالدخل والتعليم والصحة والتكامل الاجتماعي، لكن المقياس العادل والصحيح للتقدم هو في قياس الفجوة والفروق في منافع التنمية بين الفئات والأفراد، والفروق بين المدن والمحافظات والطبقات والفئات الاجتماعية، والفروق بين الذكور والإناث وبين الكبار والصغار، ومدى فرص الفئات الخاصة من الفقراء والمعوقين والمرضى وكبار السن في الحصول على الخدمات والرعاية التي يستحقونها، وفي العدالة الضريبية؛ في تحصيلها وتوزيعها على المكلفين ثم في أوجه إنفاقها على المجالات والأولويات التي فوضت السلطة التنفيذية بإدارتها وتطويرها.
تركز، إذن، عمليات التنمية ونقدها على أوجه الحرمان وعدم المساواة، ومنها ما تراكم وتعمقت جذوره، ومنها ما استجد في السنوات الأخرة، مثل الكراهية والتطرف والعنف، ولذلك فإننا مدعوون؛ حكومة ونوابا وأحزابا ومجتمعات وأفرادا، إلى أن نسأل أنفسنا، ونواصل السؤال: من يقف خارج التنمية ومن داخلها؟ ولا نحتاج إلى جهد كبير لنلاحظ "الخروج" في المهمشين والفقراء واللاجئين والمعوقين والمرضى وكبار السن، وفي المحافظات والمناطق. على سبيل المثال أن تكون الطريق الرئيسية التي تربط شمال البلد بجنوبها شبه مدمرة بدءا من المطار إلى العقبة وتكون في مواصفات باذخة ومتقدمة بين عمان والمطار، يؤشر ذلك ببساطة ووضوح إلى من يستفيد من الإنفاق على الطرق ومن لا يستفيد!
إن المتوسطات الحسابية لا تمنح فكرة كافية، لكن فهم المشهد الحقيقي يستمد من الاحصاءات التفصيلية والمؤشرات المتعددة والمختلفة، كأن ننظر إلى عدد وتوزيع حوادث المرور والجرائم وتغير اتجاهاتها كميا واجتماعيا، أو نسبة الذين يتمتعون بالتقاعد والتأمين الصحي ممن هم فوق الستين، ثم الفرق بين الرجال والنساء في ذلك، ثم توزيعهم في المدن والمحافظات. وعدد المستشفيات وأسرتها وعدد الأطباء والممرضين ثم توزيع هذه المؤسسات، ونوعية ومستوى التعليم، سواء في مؤشراته الكمية؛ عدد الغرف الصفية وتوافر المختبرات والمكتبات والأنشطة اللاصفية أو في مؤشراته النوعية مثل محتوى المناهج ومستوى التحصيل العلمي والمعرفي، وفرص التلاميذ في الحصول على مهارات الحياة والإبداع والقدرة على العمل والمشاركة والاعتماد على الذات.
 يضع تقرير الأمم المتحدة تصورات وأهدافا للعالم في العام 2030، بحيث لا يكون أحد في العالم خارج مسار التنمية، وتكون الفجوة بين الناس أقل مما هي عليه اليوم. وليس ذلك بعيدا عنا في الزمان، ولا في قدرتنا على تصور أنفسنا بعد عشر سنوات؛ ما نحب أن نكون عليه وما يجب!

التعليق