ماجد توبة

مفارقات في ترشيد الإنفاق العام!

تم نشره في الأحد 2 نيسان / أبريل 2017. 11:04 مـساءً

من باب التقاط المفارقة، فقط، يمكن المقارنة بين محتويي خبرين نشرا في الصحافة خلال الأيام القليلة الماضية، تناول الأول رفض مجلس الوزراء توصية من وزير الصحة باستثناء مديري المستشفيات الحكومية من قرار سحب السيارات الحكومية ضمن إجراءات ترشيد الإنفاق العام، فيما تناول الثاني إحصائية رصدية لسفر النواب في وفود رسمية للخارج خلال المرحلة الماضية من الدورة العادية الأولى الحالية للمجلس، وتظهر ارتفاعا واضحا في عدد السفريات والمسافرين وكلفة السفر! 
في الخبر الأول؛ قد ينظر البعض إلى التشدد الحكومي في قضية سحب السيارة الحكومية من مدير عام مستشفى حكومي، كالبشير الذي يحتاج قطع المسافات بين أقسامه ومرافقه إلى سيارة، أو مستشفى حكومي ناءٍ في البترا، باعتباره نوعا من المغالاة التي هي في غير مكانها بضبط النفقات العامة، فالترشيد الحكومي المطلوب –بحسب وجهة النظر هذه- يجب أن لا يؤثر على العمل العام، وفي هذه الحالة فإن استخدام مدير المستشفى الحكومي للسيارة الحكومية يختلف بلا شك عن مدير قسم المالية أو مدير التخطيط في الوزارة الفلانية أو العلانية، الذي يعتمد في عمله على الناحية المكتبية إلى حد كبير، بعيدا عن الحاجة إلى العمل الميداني.
لكن مع ذلك، فقد تكون خطوة الحكومة –من وجهة نظر مقابلة- ضرورية للترشيد وشد الأحزمة على البطون في القطاع العام في ظل الأوضاع الصعبة للمالية العامة والموازنة، وانسجاما مع الاضطرار للجوء إلى رفع الأسعار والضرائب على المواطن لسد عجز الموازنة. وبين وجهتي النظر السابقتين، أعتقد أن على الحكومة ووزارة الصحة العودة بعد فترة معقولة لتقييم قرار سحب السيارات الحكومية من مديري المستشفيات، وتقييم تأثيره على الأداء والخدمة المقدمة للمواطن، فإن لم يؤثر فلا بأس من الاستمرار به، وإن كان العكس، فربما تكون الحاجة ملحة حينها لإعادة إلغاء القرار.
أما الخبر الثاني، المتعلق بسفر النواب خلال 145 يوما مضت من عمر الدورة الأولى للمجلس النيابي، بحسب تقرير لبرنامج "راصد" أعلن أمس، فقد تبين أن 59 نائباً قد سافروا ضمن 23 وفدا نيابيا للخارج خلال الفترة المذكورة، بعدد أيام سفر بلغت 450 يوماً، وبكلفة زادت على ربع مليون دينار. طبعا التقرير تضمن أرقاما وإحصاءات مفصلة لتوزيع السفريات على النواب والكتل المختلفة وحصة كل واحدة فيها. كما أشار التقرير ذاته إلى أن 34 موظفا من المجلس شاركوا أيضا بوفود رسمية، بمجموع أيام سفر وصلت إلى 280 يوماً وبتكلفة تجاوزت 30 ألف دينار.
استنادا لأرقام "راصد" التي تتناول سفر الوفود النيابية خلال أربعة أشهر ونصف الشهر، يمكن توقع ارتفاع كلفة سفر النواب بانتهاء العام الأول من عمر المجلس الحالي إلى ما بين 750 ألف دينار إلى مليون دينار، كنسبة وتناسب، ما أعتقد أنه يشكل رقما كبيرا، وإنفاقا زائدا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في البلد، وارتفاع العجز بالموازنة العامة، والاضطرار إلى نبش وتفريغ جيب المواطن لتأمين الـ450 مليون دينار الشهيرة لموازنة الدولة.
لا أحد يشكك بحق النواب بالسفر وتمثيل المجلس والأردن في المحافل الدولية المختلفة، تماما كما هو حق وعمل الوزير والمسؤول الحكومي، لكن الجميع يعرف أن الحكومة وكل مؤسسات الدولة أعلنت –كما يفترض – التقشف والترشيد في النفقات العامة، ومن ضمن ذلك خفض نفقات السفر والوفود للخارج ومياوماتها، ومن باب أولى أيضا أن يطال هذا التقشف والترشيد النواب وسفراتهم ومياوماتهم.
رقم السفرات النيابية الرسمية وكلفتها التي كشفها "راصد" تعد كبيرة بكل المقاييس، ولا يشي بحرص حقيقي على التقشف والترشيد في الإنفاق العام، ما يستدعي مطالبة المجلس بالتوقف مليا أمام ذلك، ووقف مثل هذا التوسع في إرسال الوفود النيابية للخارج فيما تبقى من عمر المجلس، وتقليص حجم الوفود قدر الإمكان، وقصرها على المناسبات الدولية والعربية الضرورية فقط.

التعليق