فهد الخيطان

الوضع لايطاق

تم نشره في الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2017. 12:08 صباحاً

لم يكن يوم انتخابات الجمعيات الطلابية في الجامعات الأردنية يعني لنا جيل الثمانينيات، شيئا من الناحية الأمنية. ماكان يسيطر على تفكيرنا فقط هو العمل بجد ومثابرة لحشد أكبر عدد من المناصرين للإدلاء بأصواتهم. وفي اليوم التالي نعود لقاعات المحاضرات وكأن شيئا لم يكن.
كان هذا في زمن ماتزال فيه البلاد تخضع للأحكام العرفية، وتنشط الأحزاب السياسية في الجامعات بشكل سرّي.
في زمن الديمقراطية والحريات الطلابية، هاهي أم الجامعات الأردنية، تعلن أمس أنها انتهت من وضع "خطة أمنية محكمة" لضمان سير عملية انتخاب اتحاد الطلبة بدون مشاجرات ومواجهات تنوعت أسلحتها وأدواتها.
لا ألوم إدارة الجامعة الأردنية على خطوتها هذه بعد أن بلغ عنف الجامعات في السنوات الأخيرة حدا لا يطاق، وانهارت قيم الحياة الطلابية الأصيلة، لحساب الروابط العشائرية والجهوية، في انعكاس أصيل لحالة المجتمع كله.
لاحظوا تطور الحالة المرضية وانتقال عدواها من الميدان الاجتماعي الكبير إلى ساحات الجامعات، فقد ارتبطت المظاهر الأمنية على الدوام بالانتخابات التشريعية والبلدية، بينما ظلت الجامعات بعيدة عن هذه التقاليد.
لكن العدوى انتقلت بشكل متدرج، فاخترقت أسوار الجامعات، وصار تنظيم انتخابات طلابية يتطلب استنفارا أمنيا مثل الانتخابات النيابية أو البلدية؛ حرس الجامعات داخل الأسوار يتابع ويراقب بقلق خوفا من صدام بين المجموعات العشائرية والمناطقية المتنافسة، وقوات الدرك خارج الأبواب في حالة تأهب وجاهزية للتدخل ومنع الشغب والمواجهات.
إنها نهاية حزينة لمسيرة الجامعات الأردنية، وسيرة حركاتها الطلابية، وخيبة أمل لأجيال من الخريجين، ظل الفخر يعلو جباههم كلما جاءت سيرة أيام الدراسة في"الأردنية" أو"اليرموك".
خضنا مرارا في تحليل الظروف والأسباب التي أدت إلى تحويل جامعاتنا إلى مخافر، لكن المرء يستطيع أن يجزم بأن إدارات المرحلة العرفية في جامعاتنا كانوا أرجل في تحمل مسؤولياتهم، وصون هيبتها، وأن طلاب الأمس ليسوا بمثل طلاب اليوم أبدا، تفوقوا أخلاقيا على الجيل الحالي، وأكثر وعيا ودراية بما يدور حولهم، شعورهم بالولاء للوطن الكبير يتفوق على هوياتهم الفرعية بكل أشكالها. إسلاميو ويساريو وجماعة شؤون الطلبة في تلك الأيام أرقى بمئة مرة من إخوان ورفاق اليوم.
على مقاعد الدراسة في الجامعة الأردنية مثلا يجلس حاليا 45 ألف طالب. رقم فلكي مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل عشرين أو ثلاثين سنة. والمساحات والقاعات لم تزد إلا قليلا عما كانت عليه.
الجامعات تحولت بحق إلى خزانات بشرية هائلة تجمع عشرات الآلاف، وتحولهم إلى منتج رديء قبل طرحهم في الأسواق.
لايمكن للوضع أن يستمر على هذا النحو. نحتاج لوقفة جادة وعاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جامعاتنا وطلبتنا. فقد تحولت إلى عبء على نفسها وعلى المجتمع، وحديثا على المؤسسة الأمنية، فصار لزاما على قوات الدرك أن تستعد ليوم الانتخابات في كل جامعة رسمية وخاصة. وقبل ذلك تتفرغ إدارات الجامعات أياما طويلة للتحضير للانتخابات والتحوط لتداعياتها بعد إعلان النتائج، هذا مع احتمال وقوع مشاجرة في أوقات الدوام العادية كما حصل عشرات المرات في السنوات الأخيرة.
باختصار الوضع في الجامعات لايطاق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كيف (فايز شبيكات الدعجه)

    الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2017.
    (نحتاج لوقفة جادة وعاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جامعاتنا وطلبتنا.)....كيف ؟
  • »صراع المعايير (يوسف صافي)

    الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2017.
    شرحت واسهبت واجدت وصفا لما آلت اليه الحال استاذ فهد وهذا ما اصاب شرائح المجتمع من صراع للمعايير والذي جل اسبابه "الوافد الينا دون استئذان وفلترة وتمحيص والمملى علينا من قوانين ومنظمات ومصطلحات (باطنها السم والدسم) والغير متوائمة ومنظومة المعرفة المجتمعية التي روافعها "القيم والثقافة والعادات والتقاليد وثابتها العقيدة" حتى اصبحنا على قاعدة رملية سائبة لاندري كيف نستقر والى اي اتجاه نسير؟؟؟ وما زاد الطين بلّه من امتطى صهوة الحداثة ومخرجاتها "جهلا واو تبعية واوتقليد للغير" والترويج لها لطمس موروثنا وثوابتنا "حيث كنا خير امة اخرجت للناس" (ودليل ذلك مقارنتك ماكنّا عليه في جامعاتنا من قبل وما آل اليه الحال في الجامعات وغيرها) وستبقى الحال طالما استمر تغول مثل ذلك دون وقفة مع الذات والمراجعة والعمل على ترميم روافع منظومة المعرفة المجتمعية مما اعتراها بلفظ الغث وإعادة توازنها مع تشكيل مظلّة واقية لعقول الآجيال يتم من خلالها الفلترة والتمحيص وقبول مايتوائم ومنظومة المعرفة الإجتماعية بعيدا عن التبعية والتقليد "ومايجب ان يكون في حواري باريس يجب ان يكون في حواري ماحص والفحيص"