عيسى الشعيبي

أبعد من إقامة مستوطنة

تم نشره في الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2017. 12:04 صباحاً


في الذكرى السنوية الحادية والاربعين ليوم الارض، وفي توقيت يفيض بروح الغطرسة المعهودة، دسّ الاحتلال الاسرائيلي أصبعاً جديداً في العين الفلسطينية، ومد لسانه الطويل للعرب، ثم جلس لهم على ركبة ونصف الركبة، غير آبه لما سيصدر عن كل هؤلاء واولئك من بيانات شجب، وتصريحات أدانة خجولة، يدرك المحتلون انها سرعان ما تذهب ادراج الرياح، فيما تظل الحقائق الاستيطانية باقية وتتمدد.
ذلك ان قرار حكومة بنيامين نتنياهو، وهي حكومة المستوطنين بالدرجة الاولى، مصادرة اراضٍ خاصة واقامة مستوطنات جديدة في الضفة الفلسطينية المحتلة، ليس اكثر من نقطة سوداء صغيرة في مشهد اوسع نطاقاً، واشد سواداً، قوامه احتلال غاشم، سيبلغ عمره الخمسين بعد نحو شهرين، وهو الامر الذي ينبغي تسليط الضوء عليه اكثر من اي تفصيل آخر، بما في ذلك اقامة هذه المستوطنة الاستفزازية.
فبعد نحو خمسة اسابيع ينقضي نصف قرن على اطول احتلال في زمن ما بعد نهاية الاستعمار الاوروبي للشرق الاوسط الكبير، وهي مناسبة اكثر بشاعة من اقامة مستوطنة واحدة او جملة من المستوطنات، لا سيما وانها تأتي في سياقات تشي بأن هذا الاحتلال اللئيم، يبدو بلا نهاية في المدى المنظور، نظراً لما آلت اليه الاحوال الفلسطينية التي لا تسر غير العدو، وما انزلق اليه الوضع العربي في السنوات الاخيرة، من ضعف وهوان لا سابق لهما على مدى العقود الاولى التالية على حرب حزيران.
وعليه، فإن ذكرى مرور خمسين سنة على ذلك اليوم المكفهر من ايام حزيران، وهي الحقيقة الاشد مرارة، والواقعة الأبلغ عظة، لكل من يؤلمهم مشاهد قطعان المستوطنين وهم يعتلون رؤوس الجبال والتلال، ويقيمون على مرأى من الجميع حقائق هدفها الاول والاخير نهب مزيد من الارض، والحؤول دون اي انسحاب محتمل في اي وقت مقبل، حتى وان رغبت في تحقيق شعار "الارض مقابل السلام".
ويزيد من فداحة هذه الذكرى، التي تجرّع كأس حنظلها جيل الآباء والابناء، انها تأتي واسرائيل في افضل وضع استراتيجي منذ قيامها وحتى الآن، حيث لا يشعر المحتلون بأي تهديد جدي، او يخشون على مصيرهم الوجودي، على نحو ما كان عليه الوضع قبل حدوث كل هذه الانهيارات المتعاقبة في المحيط العربي المجاور، الامر الذي من شأنه ان يفتح شهية الدولة التي قامت بالحديد والنار، للاستيلاء على مزيد من الارض، وتأبيد الاحتلال الى اجل غير معلوم، دون خشية او توجس يحملها على مراجعة الوضع القائم، والكف عن التوسع والعدوان.
بعد حرب العام 1967، كان تقدير القيادات العربية في حينه ان الامر يحتاج الى نحو ثلاث سنوات حتى يتم تحقيق شعار "ازالة آثار العدوان"، وكانت تلك المدة طويلة، بل اطول مما تحتملها الجماهير العربية المتحرقة لإزالة تلك الآثار اليوم قبل الغد، فما بال من بقي على قيد الحياة، وهو يستعد لملاقاة هذه الذكرى، دون ان يكون لديه رهان او تعويل على اي بارقة امل، تعد بمعاودة الكرّة مرة اخرى، للاغتسال من عار ذلك اليوم الاسود الرهيب.
وهكذا، فإن اقامة مستوطنة جديدة هو مجرد تذكير للجميع ان ما بدأ في الخامس من حزيران 1967 قائم ومستمر، رغم قرارات مجلس الامن الدولي، ومبادرات السلام، وبيانات الشجب والاستنكار، وانه في المرات القليلة التي انحسر فيها هذا الاحتلال، او تم في غضونه تفكيك مستوطنات، كانت بفعل الحرب، كما حدث في العام 1973 او تحت ضربات المقاومة كما جرى في قطاع غزة وجنوب لبنان، فليس غير هذه اللغة التي تفهم معانيها آخر دولة احتلال على وجه الارض.
وأحسب ان المبلول لا يخشى من زخة مطر، وان من ضرُست اسنانه منذ امد بعيد لا تضيره حبة حصرم اخرى من ذات العنقود. فالمصيبة ليست في اقامة مستوطنة، لا هي الاولى ولن تكون الاخيرة، وانما في تواصل هذا الاحتلال لنصف قرن، ترشحه الاوضاع الذاتية والموضوعية للاستمرار لنصف قرن آخر، اذا لم يقم المخاطبون به بتغيير القرص، وتبديل الوسائل والأدوات، واجتراح المفاهيم القادرة على ادارة وطنية اكثر نجاعة، مع عدو يستثمر جيداً في عامل الوقت.

التعليق