رنا الصبّاغ

هل يضع "النيابي" تقارير ديوان المحاسبة في "الخرج"؟

تم نشره في الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً



هل يأخذ مجلس النواب على محمل الجد المخالفات التي رصدتها تقارير ديوان المحاسبة (2013 - 2014 - 2015) بعد سنوات من إهمال دوره الرقابي أو تجاهله على قاعدة لعبة تبادل المصالح مع الحكومات العابرة.
يطرح هذا التساؤل الآن بعد أن أعلن رئيس اللجنة المالية النيابية أحمد الصفدي عن رصدها 90 مخالفة في هذه التقارير، رغم توجيه تنبيهات لعديد وزارات ومؤسسات رسمية.
تصريح الصفدي، خلال اجتماع مركز الشفافية الأردني قبل أيام، كان نتاج 27 جلسة عقدتها اللجنة على مدى الشهرين الماضيين، لتقييم الخروقات التي لم تصوب. الخروقات ستدرج ضمن تقرير تضعه اللجنة قريبا أمام مجلس النواب، الذي قد يدفنه، كما في السابق، أو يقرر إرساله إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لتدقيقه وإحالته للقضاء. 
المخالفات المرصودة في تقارير السنوات الثلاث الماضية مسّت وزارات المالية، التربية، الصحة، العمل، الاتصالات، الأشغال، السياحة، النقل والصناعة والزراعة وغيرها. كذلك طالت البنك المركزي ومؤسسات مثل المتقاعدين العسكريين، الضمان الاجتماعي، الشركة الأردنية لضمان القروض وسلطة العقبة الاقتصادية.
(وفي الوقت التي تتراكم فيه مخالفات السنوات السابقة دون معالجة، سيصدر ديوان المحاسبة قريبا تقرير 2016).
لذلك يتحتم على اللجنة المالية إحالة الملف إلى المجلس مع توصيتها بالتصويت على وضع المخالفات أمام هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، بعد عقد مشاورات بين الكتل لضمان أصوات الأكثرية، قبل انتهاء الدورة العادية الأولى في 9 أيار (مايو) المقبل، وانطلاق مواسم الجلسات الاستثنائية التي تحدد أجندتها مسبقا بإرادة ملكية.
وإذا لم يحصل ذلك في القريب العاجل، هناك خشية من ترحيل هذه التوصيات لجلسات متأخرة، لحين تبريد ملفاتها! أو قد توضع في الأدراج، على غرار غالبية التقارير المشابهة خلال العقد الماضي والتي يفترض أن تصل إلى المجلس النيابي قبل الحكومة.
فهل تصدق التوقعات ويتحقق حلم المواطن بأن تمارس السلطة التشريعية دورها الرقابي ماليا وإداريا على أعمال  السلطة التنفيذية – وهو يتصدر المهام المنوطة دستوريا بعمل مجلس النواب  لمكافحة الفساد وتحصين المال العام ضد الهدر والتطاول على القانون.
في الذاكرة الشعبية رصيد سلبي لأداء النوّاب الرقابي نتيجة تداخل المصالح. فهل يفعلها النواب هذه المرة فيكسرون الصورة النمطية على أنه أداة في يد الحكومة والدولة العميقة، ويأخذ على محمل الجد تقارير ديوان المحاسبة ويكافئه على أدائه الراقي. وهل يعالج الأخطاء والتجاوزات الواردة في التقارير، رغم بروز شكاوى من وزراء بأن إجراءات الديوان "تعرقل" العمل وتعوق الإنجاز، وبالتالي صدرت دعوات لتعديلها وتبسيطها.
وهل يسجّل النواب الجدد أنهم أسهموا في لجم الفساد، بعد أن تراجعت مكانة الأردن عالميا ضمن مؤشر "مدركات الفساد"  للعام 2016.
لننتظر ونرَ.
لكن المجلس النيابي الجديد، ومن ورائه الأردن، سيكسب كثيرا لو أعاد الاعتبار لدوره، وبخاصة بعد تضييق خيارات المجلس في مكافحة الفساد على خلفية قرار المجلس العالي لتفسير الدستور العام 2008: بأنه "لا يجوز لمجلس النواب الطلب من النيابة العامة مباشرة التحقيق في مخالفات وردت في تقرير ديوان المحاسبة".
لكن بإمكان المجلس اتهام وتحويل وزراء يشتبه بضلوعهم بالفساد الى القضاء بعد رفع الحصانة عنهم.
إحالة التجاوزات الأخيره إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ستساعد النواب على تبييض صفحتهم أمام الرأي العام، وكسب الشعبية المتهالكة، خصوصا بعد أن أقر المجلس موازنة 2017، بما تحويه من "سياسات جباية". فالشارع يرى ان "بصمة" المجلس النيابي قبل شهور سهلت إدخال يد الحكومة في جيب كل مواطن لتبدأ متوالية رفع الأسعار والضرائب، دون إطلاع الرأي العام على أسباب ارتفاع العجز وتصاعد المديونية العامة.
المجلس السابق لم يناقش قرار لجنته المالية (رقم 3) المتضمن تقارير ديوان المحاسبة للأعوام (2009- 2010- 2011- 2012)، رغم أنه أدرج على جدول أعمال جلسة كان يفترض أن تكون حاسمة قبل أن تحوّل من جلسة رقابية إلى تشريعية. ثم حلّ المجلس النيابي تمهيدا لإجراء انتخابات جديدة واستراحت حكومة د. عبد الله النسور من احتمالات المساءلة.
استدراك الأخطاء السابقة قد يشكّل بداية جيدة لترميم جسور الثقة المتهدمة وإعادة الاعتبار للسلطة التشريعية وإلى ديوان المحاسبة الذي يفترض أن يمارس دوره الرقابي بالتعاون مع النواب. وقد يساهم في امتصاص غضب الشارع الذي يطالب بمحاكمة الفاسدين والمفسدين.
ثمّة بوادر إيجابية قد تعمل لمصلحة إحالة القضايا المرصودة إلى هيئة النزاهة، ومنها إلى المحاكم. من بين هذه العوامل موقف الحكومة، بلسان رئيسها د. هاني الملقي: "الاعتداء على المال العام سرقة من جيوب الأردنيين". كما طلب د. الملقي من ديوان المحاسبة إصدار تقرير رسمي  كل أربعة أشهر، يتضمن أهم المخالفات التي ترتكبها المؤسسات الرسمية، لتسريع آليات المراقبة التشريعية، بحسب أمين عام الديوان بالوكالة إبراهيم المجالي.
لذلك نطلب من د. الملقي أن يقنعنا هذه المرة بأنه جاد في تأكيداته المتكررة على ضرورة تطبيق مختلف الإجراءات القانونية والإدارية بحزم من أجل ضمان النزاهة ومكافحة الفساد بشتّى صنوفه؛ المالي والإداري، وعلى جميع المستويات والمؤسسات، لحماية الوطن و"جبر الخواطر المكسورة للمواطنين".
الحكومات السابقة لم تسع لتصحيح اعوجاج بعض مسؤوليها، بل تفاقمت نوعية المخالفات إلى حد يشعل الغضب في وجدان أي عاقل، سيما وأن الأردن وقع على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد العام 2005. وفي البال رئيس وزراء سابق استغل عدم انعقاد المجلس لـ"إقالة" رئيس ديوان المحاسبة لموقف لم يعجبه، وآخر أقال رئيس ديوان المحاسبة لأنه أرسل تقريره إلى البرلمان قبل أن تطلع عليه الحكومة.
بالطبع لا نتوقع أن نلمس تغييرا سريعا بإنزال العقاب القانوني بالمخالفين، لأن هيئة النزاهة قد تتأخر في البت بالمخالفات بسبب النقص في الكوادر البشرية المتخصصة والباحثين والإمكانيات المادية. 
لكنها ستكون خطوة على الطريق الصحيح. تقارير ديوان المحاسبة المتعددة والمحملة على موقعه الرسمي، يندى لها الجبين لكثرة المخالفات التي ترصدها، بخاصة ما يتعلق بطريقة إدارة الأموال العامة (النفقات والإيرادات) المرصودة والمقرة من قبل المجلس والمناقلات التي تجريها الحكومة عبر الوزارت لصالح مشروعات لم ينص عليها قانون الموازنة من خلال رصد مخصصات في بنود شكلية. لكنها، وفي الوقت ذاته، تدل على أنه ما تزال هناك مؤسسة تعنى بضبط المخالفات كافة، كبرت أم صغرت؛ لأن كادر الديوان موجود في كل وزارة ومؤسسة رسمية للتدقيق في أوجه صرف المال العام المقر في الموازنات السنوية.
من الضروري اتخاذ إجراءات أخرى لإعادة الاعتبار للديوان ولمجلس النواب في الرقابة على المال العام. ففي البرلمانات الفاعلة، تتشكل لجنة دائمة متخصصة في الموازنة العامة للدولة، وتتفرغ لمواكبة الإنفاق الحكومي ومراقبة أدق تفاصيله. مثل هذه اللجنة تقيم علاقة تبادلية على مدار الساعة مع ديوان المحاسبة؛ ذراعها الرقابية، كما تتلقى الملاحظات وترسل الأسئلة وتشارك في إعداد موازنة الدولة. يساند عمل هذه اللجنة هيئة موازية تهتم بالسياسات الاقتصادية والتشريعات المتعلقة بها.
لننتظر ونرَ إن كان المجلس سيشرب "حليب السباع" فينجح في إحياء دور ديوان المحاسبة في مكافحة الفساد، بما يمحو انطباعات، قد تكون خاطئة، بأن الديوان بات يحمي تجاوزات القائمين على المؤسسات الرسمية.

التعليق