نحو خريطة ثقافية عربية (1 – 2)

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

قد يُشْكِل على غير المُتخصّص أن يعرف جنسيات أشخاص مثل: "النظَّام"، "الحسن بن الهيثم"، "جابر بن حيّان"، "زرياب"، "القاضي عبد الجبَّار"، "الفارابي"، "ابن جبيرول"، "الحلّاج"، "البيروني"، "ابن سينا"، "ابن عربي"، "موسي بن ميمون"، "أبي حامد الغزالي"، "ابن مسكويه"، "ابن كمونة"، "ابن الرواندي".
لكن من السهل معرفة أن جنسية الروائية "نادية الكوكباني" يمنية، وجنسية الشاعر "أمين الربيع" أردنية، وجنسية الروائي "خليل صويلح" سورية، وجنسية الروائي "رشيد بوطيب" مغربية، وجنسية المفكّر "مالك بن نبي" جزائرية، وجنسية الروائي "إميل حبيب" فلسطينية، وجنسية الناقد "عبد العزيز حمودة" مصرية، وجنسية عالم الاجتماع "علي الوردي" عراقية، وجنسية الروائي "حموّر زيادة" سودانية، وجنسية الروائي "سعود السنعوسي" كويتية، وجنسية المفكّر "محمد جابر الأنصاري" بحرينية، وجنسية الناقد "عبد الله الغذامي" سعودية، وجنسية الروائي "عبد العزيز آل محمود" قطرية، وجنسية المفكّر "ناصيف نصّار" لبنانية، وجنسية القاص "محمد علي ديريه" صومالية، وجنسية الروائي "أحمد ولد الحافظ" موريتانية، وجنسية المفكّر "الصادق النيهوم" ليبية، وجنسية الشاعر "سيف الرحبي" عُمانية، وجنسية المفكّر "عبد المجيد الشرفي" تونسية، وجنسية الشاعر "كريم معتوق" إماراتية.
الحالة الأولى أنتجها العقل العربي في تجلّيه الحضاري، حيث تجاوز محنة الإثنية والمناطقية ليندمج في سياق معرفي كبير، ستكون مأثرته في امتداده الأفقي، فالكُلّ شركاء في تخليق سياق ثقافي ستكون له نتائج ملموسة ليس على الحضارة العربية الإسلامية وحدها فقط لا غير، بل ستكون له نتائج أيضاً على مستوى الحضارة الإنسانية.
أما الحالة الثانية، فقد أنتجها العقل العربي في فترة من فترات انحطاطه، بما يؤشّر على نزوح الإنسان العربي ناحية شرنقة صغيرة يتقوقع داخلها حماية له مما يجري في الخارج، ففي أوقات الأزمات يميل ابن القبيلة إلى ابن قبيلته وابن الوطن يميل إلى ابن وطنه وابن الآيديولوجية يميل إلى ابن آيديولوجيته وابن الإثنية يميل إلى ابن إثنيته.. إلى آخر هذه القائمة من البنوّة والأبناء.
لكن ثمة سؤال يطرح نفسه هَهُنا: هل تمثّل الحالة الأولى خيراً محضاً، في حين تمثّل الحالة الثانية شرّاً محضاً؟.
ابتداءً، أشيرُ إلى أني لا أقارب الحالتين مقاربةً تقييمية على المستوى الإبداعي، من زاوية فردية، فالأسماء التي ذكرتها في الحالة الثانية تنطوي على ما تنطوي عليه من إبداع هي الأخرى، كلّ في مجاله. لكني أقاربها إبداعياً على المستوى الجمعي، فالحالة الأولى أمكن النظر إليها
كـ (كُلٍّ) أفقي تشاركت في إبداعه ذواتٍ كثير وعديدة، في حين أمكن النظر إلى الحالة الثانية كـ (أجزاء) منعزلة -تقف على أكتاف بعضها البعض- غير قادرة على الاندماج في سياق معرفي واحد إلى حدّ هذه اللحظة. فالسهولة التي تنطوي عليها معرفة جنسيات المبدعين العرب الجُدد، حتى من هُم من جنسيات أخرى، ستجد صعوبة في اندغامها مع بعضها البعض في حِراك معرفي جمعي، يُؤسّس لمقولة عربية على المستوى المعرفي، فثمة تحزّب مبدئي -إلى حدّ كبير وواضح- تجاه أبناء الوطن (سينعكس هذا أيضاً على أبناء الآيديولوجية الواحدة أو الإثنية الواحدة أو الطائفة الواحدة) سواء في:
1 -    التداول اليومي بين عامة الناس، لا سيما أن المناهج التعليمية تُغذّي هذا النسق وتدفع به قدما ناحية الأمام، فأظنُ إلى حدّ ما أن لا أحد من أبناء المدارس وحتى أبناء الجامعات قرأ رواية للروائي الموريتاني "موسى ولد أبنو"، حتى وإن كان سهلاً عليه أن يعرف جنسيته، نظراً للتطوّر التكنولوجي الذي أطاح بالزمان والمكان. وبالمثل أظنُ إلى حدّ ما أن حضور رواية للروائية السودانية "ليلى أبو العلا" في المدارس والجامعات الليبية، يكاد يكون معدوماً. فالشكوى من عدم حضور المُبدع العربي في جميع الدول العربية مشكلة تُناقش دائماً، ويكاد المُثقّف العربي لا يتعرّف على مُبدعي ليبيا أو الأردن أو موريتانيا، إلا إذا تسنّى له زيارة تلك الدول والتعرّف عن كثب على  مُبدعيها.
2 -    التداول الثقافي في عموميته، إذ تكاد الدراسات النقدية والثقافية الدائرة في بلدٍ من البلدان العربية تقتصر على مُبدعي ذلك البلد تحديداً إلا فيما ندر، تحديداً ساعة يبرز اسم عربي، فيصبح الحديث عنه واجبا قومياً أكثر منه واجباً معرفياً، تماماً كما كان الواجب يُحتّم على المثقفين تناول مُبدعي أوطانهم وآيديولوجياتهم وإثنياتهم وطوائفهم، سواء أكان ما كُتب شيئاً إبداعياً أم هراءً معرفياً. فالواجب النكوصي إلى القوقعة الحامية، يجعل من المُثقّف ينتصر لابن وطنه/ آيديولوجيته/ إثنيته...الخ، في تأكيد غير مُعلن على حالة الانطوائية التي يعاني منها المُثقّف العربي الحالي، ويعاني بسببها تقزيماً للحالة المعرفية، وذلك بنقلها من مرحلة (اللغة) بصفتها الحامل الأكبر للهوية العربية في تجلياتها المختلفة إلى مرحلة (الوطن) إذ لا يتمّ الاعتراف إبداعياً، إلا بأبناء الوطن تحديداً، وفي ذلك مثلبة كبيرة على المستوى الحضاري.
إذاً، وبالعودة إلى السؤال أعلاه: هل تمثّل الحالة الأولى خيراً محضاً، في حين تمثّل الحالة الثانية شرّاً محضاً؟.
يقيناً، لا. لكن ثمة مؤشر –في الحالة الأولى- على خيار "انبساطي" بالمفاهيم النفسية، وفي الحالة الثانية ثمة انغلاق على خيار "انطوائي" بالمفاهيم النفسية أيضاً. فالإنسان يجنح في الحالة الأولى ناحية العالَم أجمع، في حين أنه يجنح في الحالة الثانية ناحية وطنه فحسب.
وبإزاء هذه الحالة المزدوجة، وعلاقتها بالعنونة أعلاه "نحو خريطة ثقافية عربية"، ثمة سؤال آخر يطرح نفسه ضمن هذا السياق: ما هي معالم هذه الخريطة الثقافية العربية، وما المأمول منها؟.
هذا ما سأتحدث عنه في المقالة القادمة، لكي أعطي الموضوع مساحة أوسع للنقاش والمُدارسة.

التعليق