د.أحمد جميل عزم

"تعال يمّا بعطيك مصاري"

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2017. 11:07 مـساءً

قُتل أمس جندي صهيوني وأصيب آخر بسيارة دهستهما، قرب مستوطنة عوفرا، شرق رام الله.
 استشهد يوم 23 من الشهر الفائت من مخيم الجلزون الفتى محمد حطاب (17 عاماً). كان قد طلب نقوداً ولم تعطه أمّه، رغم أنّه وحيدها، كانت تضمر في عقلها أنّها إن أعطته سيغيب أكثر، لا تريد أنّ يتأخر ليلاً.
عندما جاءها الخبر في ساحة المستشفى، صرخت بملء صوتها "أبو صالح تعال.. معاي مصاري تعال يمّا أعطيك".. "بكذب عليك.. معي مصاري بس بديش أعطيك منشان ما تتـأخرش". معاي مصاري "بدي نروح عمرة وبدو ينجح بالتوجيهي.. وعدني"... "حمودة وعدني".. "وعدني يروّح".
هي لا تنام عادة حتى ينام.
تملأ جدران المخيم عبارات رُشت بلون أزرق تؤكد ذكرى الشهيد ليث الخالدي، الذي استشهد منتصف العام 2015، عن عمر (17 عاما). والد ليث مساعد عميد شؤون الطلبة في جامعة بيرزيت القريبة. وأم "حمودة"، ربما كانت تحلم به يعود لها يومياً من بيرزيت. فقدت الجامعة، والبلد، طالبين مُرتَقبَين. بل أكثر.
أسأل قريب محمد أثناء العزاء في المخيم الذي تبلغ مساحته ربع كيلومتر مربع، ويضم أهالي من 36 قرية من منطقتي اللد والرملة لماذا تناديه أمه باسم أبو صالح؟ فأجاب أظن لأنّ عائلتنا عرف عنها حب الإنجاب وسرعة الزواج، وهو وحيدها، وكانت تنتظر زواجه لتعوض عدم كثرة الأبناء.
قرب بيت العزاء، في قاعة الأفراح في المخيم، تجد على الجدران بقايا صور الشهيد أحمد شراكة، الذي استشهد، في تشرين الأول (أكتوبر) 2105، عن عمر 13 عاماً. في صورة له وهو يحمل حقيبة على كتفه ذاهباً إلى بركة السباحة، في جفنا القريبة المشهورة بالمطاعم وبرك السباحة والمشمش، ليس بعيدا عن بيت الشهيد فيصل الحسيني، في عين سينيا، يذكرك الملصق بالشهيد محمود بدران الذي استشهد برصاص الجنود، في رمضان 2016، وهو عائد ليلا إلى قريته بيت عورا التحتا، من بركة سباحة في بيت سيرا، وقد ذهبوا احتفالا بقريبهم الطفل المغترب الآتي في إجازة.
يخبرك أحد المعزين، القادم من قرية قريبة، أنّه كان في زيارة للمخيم، شاهد أثناء خروجه منه، سيارة تقف ويخرج منها شاب يستنجد، هو السائق الجريح. لم يكن شيئاً واضحاً، ما الذي يحدث؟ هل هو حادث سير؟ ليتضح أنّ في السيارة ثلاثة جرحى وشهيد هو "أبوصالح، حمودة، محمد". وتم تنفيذ جريمة القتل من جنود الجيش، غالبا من برج المراقبة، برصاصات كاتمة للصوت!
إذا كانت جفنا الفلسطينية متنفس أهالي الجلزون، غرب شمال المخيم، فإنّ مستوطنة بيت إيل، والتي تضم أيضاً قيادة الاحتلال في الضغة الغربية، إلى جنوبه الشرقي، تخنقه، وهناك أيضاً حاجز ال DCO الشهير، الممنوع عادة على الفلسطينيين إلا من يحمل بطاقات VIP. وهذه المستوطنة هي نقطة مفضلة للشبان من مدينتي رام الله والبيرة للاشتباك مع العدو المحتل، بالحجارة والزجاجات الحارقة أحياناً، وهناك اغتال الجنود أطفالا وفتية لم يكونوا في حالة مواجهة.
في عشرات الأمتار الفاصلة بين بيت إيل والجلزون أحراش زيتون، ويخبرك الأهالي: لقد بات معتاداً أن تجد جنود الاحتلال بكامل عتادهم، ومناظيرهم الليلية، يتحركون بين الأشجار يقتنصون الشبّان أسرى وجرحى وقتلى.
تعتبر عوفرا التي دهس عندها الجندي أمس، من أول المستوطنات في الضفة الغربية، ويسكنها غلاة الصهاينة المتدينين الجنود. وعندما تقفل طريق الجلزون (بيت إيل) ويقفل الـ(DCO) ومعهما حاجز جبع، جنوب رام الله، يصبح الالتفاف من أمام عوفرا السبيل الممكن، إذا لم تقفل الطريق أيضاً.
تتذكر أنّ الشهيد أحمد شراكة من الجلزون، ولد العام 2001 في ذات عام رحيل عمه خليل. وأن استشهاد نبيل حماد أثر باين أخته ثائر كثيرا.
عندما تكون طرق الجلزون وجبع والـDCO مقفلة وتمر من أمام عوفرا، كان يمكن أن تمر بعد ذلك أو تصطدم بحاجز عيون الحرامية، وهناك في العام 2002 قام ثائر ببندقية قديمة، وحيدا بإسقاط 11 جنديا قتلى، وأزيل الحاجز، وثائر حمّاد يكتب الآن ويتعلم في محبسه عن طير الفينيق، حيث يستعد مع الأسرى لإضراب 17 نيسان الحالي، الذي قد يكون موعدا جديدا مع التاريخ.      

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (Khadra)

    الأحد 9 نيسان / أبريل 2017.
    أكثر من موقف انساني يتحدث ببلاغة محكمة عن الجرح الفلسطيني.. بارك الله لكل انسان فلسطيني حر موقفه الرائع من بلده وأبناء بلده الشهداء والجرحى والأسرى والمحاصرين والمرابطين والقابضين على الجمر