عيسى الشعيبي

الجمهورية العربية "السارينية"

تم نشره في الجمعة 7 نيسان / أبريل 2017. 12:05 صباحاً

في ظل حكم آل الاسد؛ الأب والابن، كثيراً ما تم وصف سورية، في وقت مبكر من زمن النظام البوليسي، على انها جمهورية الرعب والصمت، لهول ما تعرض له ابناؤها من قمع وقهر واستبداد، قلّ ان يعثر المؤرخون على نظير له بين الانظمة الدكتاتورية في العصر الحديث. ولا يعرف هذه الحقيقة المريرة سوى السوريين انفسهم، ناهيك عن بعض الفلسطينيين واللبنانيين ممن مروا بتجارب مهينة تقشعر لها الابدان، قارفها جلاوزة فروع الامن في اقبية التعذيب الرطبة.
في وقت لاحق على اندلاع ثورة الحرية والكرامة، انتزع النظام الخائض في دماء شعبه حتى الركب، صفة اضافية اخرى للبلد المثخن من شماله الى جنوبه، الا وهي "الجمهورية العربية الكيماوية" لا سيما بعد المجزرة التي وقعت في غوطة دمشق، وراح ضحيتها نحو 1400 سوري معظمهم من الاطفال والنساء، وهو ما ادى الى تجريد النظام من اسلحته الكيماوية، كعقاب له على فعلته الحمقاء.
اليوم، وبعد ان تكرر استخدام الاسلحة المحرمة دولياً، بما في ذلك غاز السارين السام، على نحو ما جرى في خان شيخون، استحق النظام المتوحش صفة جديدة، احسب انها اكثر انطباقاً على حالة دولة تقتل شعبها بضراوة، وتدمر بلدها بلا هوادة، الا وهي "الجمهورية العربية السارينية" وذلك لفرادة هذه الحرب التي استخدمت فيها كل الاسلحة، ما عدا الاسلحة النووية والحمد لله.
لم تترك المشاهد المبثوثة من عين المكان الموبوء بغاز السارين، اي مجال لأي قول يقال عن فظاعة صور الاطفال النيام وعيونهم مفتوحة في اللا شيء، واجساد الاولاد والنساء المرتجفة على ارصفة تلك البلدة المنكوبة في الشمال السوري. اذ ان صورة واحدة ابلغ من اي تعليق او شرح عن مدى بربرية هذه الحرب التي تجاوزت كل المحرمات، واسقطت كل القيم والاخلاقيات، دون ان تبدو لها نهاية في المدى المنظور.
يحسن بالمرء ان يشيح بصره، وان يصم اذنيه عن كل هذا اللغو المنهمر من شاشات التلفزيون، وان يسقط من اعتباره كل هذه السجلات، سواء أكانت لتبرير استعمال غاز السارين، او كان للتنصل من ارتكاب هذه الفعلة المشينة. فليس ما يصدر عن الكذبة من الناطقين الرسميين ومن داعميهم، ولا ما تروجه ماكنات الاعلام من دفوعات متهافتة، اي شيء يميط اللثام عن حقيقة النوايا والدوافع والذرائع الكامنة وراء هذه المقتلة في خان شيخون.
لسبر غور الحقيقة المتجلية في مكان آخر، يمكن الذهاب الى الشبكة العنكبوتية، لاستقراء ما تفيض به المواقع الالكترونية والصفحات الاخبارية الموالية للنظام، ليقف المرء بنفسه على احاديث وتعليقات تنغل بمشاعر التشفي، وتحض على المزيد من القتل والاجرام، ينطق بها اناس من البيئة الطائفية المتورطة في حرب ضد الاكثرية، تخوضها وهي تدرك في قرارة نفسها انها هي الخاسر في نهاية المطاف مهما طال.
اعرف ان كثيرا من الاصدقاء السوريين لن يعجبهم الاستنتاج الذي قد يخلص اليه مراقب لوّعته هذه الدماء وكل هذا الدمار، حين يقول ان شدة الكراهية والاحقاد، وعمق الرغبة في الانتقام، وفق ما تشي به تلك المواقع والصفحات، تدلل ان النسيج المجتمعي السوري قد تمزق شر تمزيق، وانه لم يعد هناك شعب واحد، على نحو ما كانت تهتف به الحناجر في اول الثورة، وبالتالي فإن من الصعب تخيّل سورية موحدة فيما بعد.
ذلك ان جمهورية الرعب والصمت، على رغم كل سيئاتها، ذهبت الى غير رجعة، لتحل محلها الجمهورية الكيماوية الطافحة بالدماء والخراب، وها هي الجمهورية العربية السارينية تجبّ ما قبلها على رؤوس الاشهاد، دون ان تفقد هذه النسخة الجديدة كثيرا من المعجبين بقيمها الشاذة، او تخسر المدافعين عن نظامها "التقدمي العلماني" الذي يقوده في واقع الامر الجنرال قاسم سليماني، الذراع اليمين للولي الفقيه.
يبقى القول؛ ان مجزرة خان شيخون المرعبة، قد تشكل نقطة تحول في سياقات هذه الكارثة المديدة. فمنذ التدخل الروسي ظلت الرياح تهب لصالح اشرعة سفينة الاسد المتهالكة، غير انه بعد هذه المقتلة، وبعد تداعيات المواجهات المحتمة في مجلس الامن الدولي، عادت ذات الرياح تهب مجدداً لصالح الثورة، التي ربما لن تبقى يتيمة بعد اليوم.

التعليق