محمد أبو رمان

مرافعة ضد الربيع العربي!

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2017. 11:10 مـساءً

  في كتابه "ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط"، الصادر مبكّراً – على ما يبدو- في العام 2013 (تُرجم إلى العربية في العام 2013)، يقدّم الباحث البريطاني، جون آن برادلي، مرافعة قوية ومتماسكة ومعتبرة ضد "رواية الربيع العربي" والآمال التي عُلقت خلال تلك اللحظة التاريخية على تلك الثورات الشعبية بوصفها بوابة الولوج إلى عصر الديمقراطية والحرية السياسية في العالم العربي.
   قيمة كتاب برادلي (الذي سبق له أن كتب "من خلف ستار الرذيلة"؛ الذي يتناول موضوع الجنس والدعارة والمثلية في العالم العربي، بصورة خاصة مصر) في أنّه يتجاوز المنطق الخشبي المسبق في إدانة ثورات الربيع العربي، بدعوى أنّها مؤامرة خارجية أو من قبل القوى المحافظة التي ترفض الديمقراطية الليبرالية في الأصل، أو أي مواقف مسبقة، فالمدهش في كتاب برادلي أنّك تجد نفسك في رحلة عميقة متبحّرة من تونس، قبل الثورة وبعدها، إلى مصر في الفترات نفسها، مروراً بالسعودية واليمن والبحرين، وليبيا، وصولاً إلى دول جنوب آسيا، ماليزيا وسنغافورة وتايلاند، ومقارنة مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول، جميعاً زارها مؤلف الكتاب وعاش في بعضها فترات متقطعة، وعاين التحولات والأوضاع من قرب، جامعاً ذلك مع ثقافة عميقة ورؤية فلسفية ذاتية.
   الكتاب حافل بالحديث عن النظريات والدين والجغرافيا والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وقاعدة بيانات وشروحات تاريخية مهمة عن كثير من هذه الدول، وإن كان يركّز بداية على تونس، التي يعتقد بأنّها أنموذج على الحداثة الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الماضية، ومصر بدرجة ثانية، مع ذكر الفروقات بين الدولتين، قبل أن يأخذنا المؤلف في جولة جغرافية كبيرة.
     ذلك لا يعني بالضرورة أنّني أؤيد مرافعته واستنتاجاته، بل على النقيض من ذلك أقف على الطرف الآخر من المعادلة، أي تأييد المسار نحو الديمقراطية الليبرالية، وإمكانية الجمع بين الدين والديمقراطية في معادلة تدفعنا إلى الأمام، لكن من المهم جداً أن يعيدنا الكتاب إلى التفكير والدراسة المعمّقة في الربيع العربي وشروطه وأسبابه ومآلاته.
ثمة فرضيات مهمة ورئيسة تتخلل فصول الكتاب أبرزها أنّ الشعوب التي خرجت في الثورات لم تكن تبحث عن الديمقراطية ولا الحرية السياسية، في البداية، بل عن فرص عمل، بخاصة لدى جيل الشباب الصاعد، وأنّ الأزمة المالية العالمية 2008 هي المسؤول الرئيس عن شرارة الثورة التونسية، والفرق بين الغرب والعالم العربي أنّ المؤسسات الغربية نجحت في احتواء تلك الاحتجاجات، لوجود بعد ديمقراطي وسياسي ومؤسسي، بينما في العالم العربي لسمعة الفساد، ولغياب الآليات السياسية لاحتواء الاحتجاجات تم إسقاط الحكام، والفرضية الأخرى أنّ البديل عن الأنظمة الحالية ليست الديمقراطية ولا التعددية، بل هي الحركات الإسلامية المتحالفة مع قوى داخل تلك الأنظمة مستفيدة من خلال المرحلة السابقة.
    يحمل الكتاب هواجس الليبراليين من صعود الإسلاميين ويتهمهم بالخداع، ولا يميز بين الخطاب المعتدل ولا المتطرف، مقارناً بين شخصيات أمير موسوي وراشد الغنوشي وأنور إبراهيم، كإسلاميين يبدون تنويريين، لكنهم على المدى البعيد يسعون إلى أسلمة المجتمع، ويركز الحديث على دور إيران والسعودية في الحرب الطائفية والحروب بالوكالة التي امتدت بعد الربيع العربي من لبنان إلى العراق وسورية (الكتاب قبل صراع اليمن الأخير).
   الكتاب أنجز قبل العام 2013، والانقلاب العسكري في مصر، وتدشين الثورة المضادة، بالرغم من أنّه عجز عن التنبؤ بها، تقريباً، إلاّ أنّه أشار مبكراً إلى انفجار أزمات الصراع الطائفي والديني وإشكالية العلاقة بين الدين والدولة في المجتمعات العربية، ما يجعل من سيناريو الديمقراطية الليبرالية وهماً من أوهام رواية الربيع العربي، كما يرى المؤلف!

التعليق