(2-6)

من التلقين الى التفكير والإبداع: وداعاً للواجبات المدرسية التقليدية

تم نشره في الاثنين 10 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية)

د. ذوقان عبيدات

يدور جدل واسع بين المربين في موضوع الواجبات المدرسية ومدى أهميتها ونوعها وحجمها، فمنهم من يرى ضرورتها ويدافع عنها، ومنهم من لا يرى أي فائدة أو ضرورة لها.
وقد اتخذت الواجبات المدرسية في بدايات القرن العشرين إطاراً معيناً، يتمثل بالإكثار منها، حتى تشغل معظم وقت الطالب في المنزل، ويبقى الطالب على اتصال مباشر ودائم مع ما تعلمه، دون اعتبار لحياة الطالب كإنسان. واستند هذا الرأي الى الأسس الفلسفية الاتية:
1 - الطالب مكرس لحياته الدراسية، ولا يجوز أن يلتهي بما يشتته عنها، فالطالب هو طالب لمدة 24 ساعة.
2 - الواجبات المدرسية تفيد الطالب، وتعزّز تعلمه وتعمل على تحسين تحصيله الدراسي.
3 - الحياة تتطلب جدية ومثابرة، وعلى الطالب أن يضحّي 12 سنة حتى يتقن تعلمه تماماً ويغادر المدرسة.
4 - الواجبات تربط الطالب بالمدرسة وبما تعلمه فيها ولذلك، لا يحق له أن يبتعد عن المدرسة ولو لفترة وجيزة.
إن أي نقاش لهذه الأسس يمكن أن يكشف عن هزالتها وضعفها، فالطالب إنسان قبل أن يكون طالباً. وإن من حقه أن يعيش كإنسان له حاجات فيزيولوجية ونفسية واجتماعية وجسمية حركية.. إلخ.
كما أن هذه النظرة الجزئية إلى الطالب تتعارض مع مفاهيم حقوق الانسان في الحرية والاختيار والكرامة والاستمتاع بالحياة. اضف الى ذلك غياب ما يشير الى التأثير الايجابي لهذه الواجبات.
وكان هذا النمط من التفكير التربوي، يرى أن الأسرة مسؤولة عن وقت الطالب في المنزل، وإن عليها متابعة الطالب بعد خروجه من المدرسة ولغاية عودته صباح اليوم التالي. حيث شكلت الواجبات مصدر توتر في جميع علاقات الطالب والأسرة والمدرسة.
فالأسرة كانت المسؤولة عن متابعة الواجبات دون وجود أي معلومات لديها عنها أو عن حجمها أو موعدها، او حتى بكيفية أدائها. لذا يدور سؤال حول مدى أهلية الأسرة لمتابعة دراسة وواجبات أبنائها من الناحية الفنية. فالأسرة لا تستطيع مساعدة أبنائها إلاّ بشروط منها:
 - تدريب الأسرة على قضايا وممارسات تربوية، وتعريفها بمنهج المعلمين وطريقة تدريسهم حتى لا تتضارب الأمور.  - التواصل المستمر بين الأسرة والمدرسة.  - وجود رغبة أو قدرة لدى الأسرة.
أما بشأن فلسفة الواجبات نفسها، فهناك اعتراضات عديدة عليها لعل منها:
 - إن ما يعمله الطالب من جهد في المدرسة كافٍ لإحداث التعليم الجيد، فالطالب يقضي من الساعة السادسة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر تقريباً في المدرسة أو في الطريق إليها أو منها. ولا يتوقع أحد أن يتمكن الطالب من استمرار الجهد المدرسي بعد هذا الوقت الطويل.
 - ومن الناحية الإنسانية، هل يجب أن تزيد ساعات العمل اليومي عن تسع ساعات إذا كان العمال يعملون من 35 - 40 ساعة أسبوعياً؟ فهل الطالب آلة مدرسية دائمة؟
إن جسم الطالب في المرحلة الإبتدائية الدنيا سريع النمو، وكذلك مع بداية المراهقة في الصف السادس فما فوق، وهذا يعني أن الطالب مشغول تماماً بنموه الجسمي ومتطلبات هذا النمو من غذاء وحركة ورياضة واتصالات وأنشطة!
ولنناقش الآن المبررات التربوية للواجبات.
 - إن أبرز المبررات كما ذكرت في المقدمة هي الاهتمام بالتعلم الذاتي المستقل للطالب، واستمرارية التعلم داخل المدرسة وخارجها وإدماج الأهالي في عملية التربية، والتوسع في ما يتعلمه الأطفال في المدرسة، أو تطبيق ما تعلموه عملياً.
لا شك أن بعض هذه المبررات معقولة، فالطالب قد يتعلم الاعتماد على الذات او الاستقلال وتحمل المسؤولية، ولكن علينا أن نحذر من المزالق الآتية:
 - إن الطالب قد يصرف وقتاً طويلاً اذا واجه مشكلة ما ولم يجد مساعدة مباشرة سريعة، فقد يجتهد ويكمل دون أن يجد مدخلاً الى الحل، او قد يحل المشكلة بطريق خاطئة.
 - لا بدّ من توفر حد أدنى من التوجيه للطالب في اثناء ادائه للواجبات، كأن تكون الواجبات "مجموعية" أي ان يعمل الطالب في مجموعة او يتلقى توجيهاً منها، او على الاقل ان يحصل على تواصل مستمر مع المعلم عن طريق وسائل تكنولوجية شائعة، فالطالب إذن بحاجة لأن يكون في مجتمع تعلم او يشترط أن يحصل على دعم المعلم او اي خبير آخر.
 - أما استمرارية التعلم، فهذا قد يعتمد علي نوع الواجبات وأهدافها، والاّْ صارت معيقة للتعلم او منميّة لاتجاهات سلبية نحو التعلم. فاذا كانت الواجبات تكراراً لما تعلمه الطالب في المدرسة أو نسخاً كتابياً أو حل مسائل ذات صلة بما تعلمه في المدرسة، فإن ذلك سيتحول الى نشاط سلبي معيق للتعلم.
جدل مستمر حول الواجبات المدرسية
سنتجاوز الخلافات بين أنصار الواجبات وبين أعداء الواجبات، بعد أن أوضح وجهات نظر أعداء الواجبات.
هم يقولون انها أشبه بصداع للأهل ووجع أسنان للطالب وهمّ للمعلم. فالجو الأسرى يتحول إلى جو صارم يدفع بالطالب أو يلومه أو يوبخه لعدم حل الواجبات، وبذلك لا يتمكن الطالب من القيام بأي عمل أو اتصال او متعة او لعب الاّ ووجد من يذكره بالواجبات المدرسية.
أما من الناحية التربوية، فالدراسات تشير الى عدم او ضعف تأثير الواجبات على تحسين التحصيل الدراسي. بل على العكس تشير نتائج الاختبارات الدولية مثل "TIMMS" و"بيسا" ان طلاب الدول المتفوقة ليسوا ممن يخضعون لواجبات مدرسية مكثفة. وإن اسوأ الطلاب تحصيلاً هم طلاب يمارسون واجبات مدرسية طويلة. كما أن الطلاب الذين لا يحصلون على واجبات مدرسية اطلاقاً أحسن تحصيلاً ممن يخضعون لواجبات مكثفة. وسنتحدث عن حجم الواجبات المقيدة لاحقاً.
ومن الطبيعي أن نذكر أن المعلمين لا يمتلكون الطاقة لمراجعة واجبات الطلاب أو تقديم تغذية راجعة عنها. وبذلك تفقد أهم مبرراتها. فلا قيمة لعمل لا يتلقى صاحبه أية تغذية راجعة عنه وبعيداً عن هذا الجدل، فإن المعلمين والأهالي والنظام التعليمي متمسكون بالواجبات.
 - فالمعلمون بحكم العادة والتقاليد يتحمسون للواجبات ولو من باب التنكيد على الطلاب وأهاليهم.
 - والأهالي قد يقيمون المعلمين بمقدار ما يعطونه من واجبات لأبنائهم، بل ويتهمون المعلمين الذين لا يقدمون الواجبات بالتراخي وعدم الجدية.
 - والأنظمة التعليمية لم تناقش جدوى الواجبات. بل تتوقع أنها مفيدة. وتسلّم بها كمسلمات موروثة عن تقاليد طويلة في التعليم.
 - أما الطلاب فهناك مؤشرات عديدة لرفضهم للواجبات باعتبارها قيوداً على حركتهم.
إزاء هذا الواقع، لا بدّ من الحديث عن تخفيف النقل الموجّه للواجبات المدرسية من خلال تصميم نماذج أو وضع معايير للواجبات المدرسية الجيدة. فما هي هذه المواصفات:
الواجبات المدرسية الجيدة
يمكن التحدث عن واجبات (ويفضل اختيار اسم آخر غير واجبات، فهي ليست واجبات مفروضة ولعل مفهوم أنشطة أكثر دلالة):
 - يتفق عليها الطلاب والمعلمون والأهل.  - لا تستهلك كثيراً من الوقت والجهد.  - ترتبط بخبرات وحاجات مفيدة للطلاب.  - تتنوع بين الفردية وثنائية ومجموعية وجماعية.  - تنمي مجتمعات تعلم.  - تركز على مهارات التفكير.  - تتطلب عملاً ميدانياً.  - واجبات اختيارية .
وفيما يأتي توضيح لذلك:
1 - يتفق الطلاب والمعلمون والأهل على فلسفة الواجبات وأهدافها ومواعيدها وأنواعها وحجمها، وأدوار كل طرف بحيث لا يفاجئ أي طرف بذلك. وتكون الواجبات بعيدة عن ايام الاجازات والعطل ما أمكن. فالأسرة تحتاج الى العطل، وتمارس أنشطة من حق الأبناء أن يشاركوا فيها.
2 - لا تستهلك وقتاً طويلاً، وسنتحدث لاحقاً عن مدة الواجبات المقيدة، ويجب مراعاة وقت الأسرة وظروفها.
3 - ترتبط الواجبات الجيدة بحاجات الطلاب، وهذه الحاجات تتنوع بين حاجات جسمية  - حركية مثل "امشِ عشر دقائق وسجل ملاحظاتك على السير".. الخ. أو حاجات عاطفية مثل "اكتب عن خمسة أشياء أو سلوكيات أعجبتك في الشارع، السوبرماركت، المسلسل" .. الخ.
أو حاجات عقلية مثل مقارنات، أو ملاحظات أو نقد، مثل "انقد إعلاناً.. أو مسلسلاً أو موقفاً.. الخ"، وحاجات اجتماعية مثل "اعمل مع زميل، زملاء على العناية بحديقة، مطبخ.. الخ".
فالواجبات ترتبط  - كالمناهج  - بحاجات الطلاب إلى المعرفة والتواصل، والحركة.
4 - والواجبات الجيدة، تتنوع بين واجبات فردية تهم الطالب بمفرده، كأن يمارس هواية ما، أو واجبات ثنائية يقوم بها مع زميل له في نفس الحي، أو واجبات مجموعية يمارسها مع فريق أو مجتمع تعلم خاص به، وقد تكون الواجبات جماعية، كأن يقوم الصف كله بتنفيذ أعمال معينة.
ولا يجوز أن تكون الواجبات كلها فردية. ومهما كانت الواجبات فإن من المهم أن يفرد بعضها للعمل مع الأهل، ينفذها الطالب في جلسات عائلية مثل:  - مشاهدة تلفزيون.  - تواصل مع الأصدقاء.  - ملاحظة أشياء.  - العناية بأشخاص.. الخ.
5 - والواجبات الجيدة تتم من خلال مجتمع تعلم، أو تنمي مجتمعاً تعلمياً، بحيث يعمل الطالب مع مجموعة رفاق، تتطور بينهم علاقات أكثر استمراراً، يقررون أو يمارسون فيها تعلماً مستمراً.
6 - والواجبات الجيدة، تركز على التفكير ومهاراته مثل مهارات الملاحظة والمقارنة. مهارات التصنيف والترتيب. مهارات التحليل والتركيب.
حيث يمكن أن يلاحظ الطالب فروقاً في بناء المنازل أو الطوابق او السيارات. أو فروقاً في الاسعار للمواد المختلفة، او تحليلاً لما يكتب في الصحف أو يذاع في الاعلام من موضوعات وهكذا..
ولا داعي أن تكون الواجبات اكتب الدرس أو أجب عن أسئلة الدرس. او احفظ الدرس.
7  - والواجبات الجيدة تتطلب عملاً ميدانياً، بحيث يندمج الطالب في المجتمع مثل: زيارة سوبرماركت، حضور مسرحية أو حفل موسيقي، مشاهدة مباراة رياضية. زراعة نباتات. عناية بأزهار. نشاطات بيئية، وأعمال تطوعية... الخ.
يكفي أعمالاً قرائية أو كتابية أو تقليدية بما يمارسه الطلبة في مدارسهم. ولتكن الواجبات المدرسية ادماجاً لهم في المجتمع.
9 - والواجبات الجيدة هي واجبات تضع الطالب أمام خيارات، فلا تفرض واجباً معيناً، فقد يقوم المعلم واجبات:  - بصرية مثل مشاهدة، رسوم.  - حركية مثل أداء، تمرينات، تمثيل.  - فنية مثل رسوم، موسيقى، ألحان.  - رقمية مثل حسابات لغوية مثل كتابة، خطابة، تأليف.  - بيئية مثل مكافحة، حماية.  - اجتماعية مثل أعمال في مشاريع مشتركة، تخطيط أحداث ذاتية مثل التأمل في موضوعات مختلفة.
فأي واجب يمكن تقديمه ضمن هذه الخيارات، فلو كان الواجب مثلاً تخطيط حفلة أو حدث، يكون الواجب:
البصري: إحضار رسوم وأقلام، والحركي القيام بمشاوير وزيارات، والفني رسوم والحان، والرقمي حسابات التكلفة واللغوي كتابة شعارات واعلانات الحدث، والبيئي المحافظة على سلامة بيئة الحدث، والاجتماعي في تشكيل فريق للعمل، والتأملي في التفكير. وهكذا يختار الطالب بما يناسبه.
حجم الواجبات
يتفق عدد من المربين على ضرورة تقليل حجم الواجبات وفق معادلة: حجم الواجبات = الصف * 10 دقائق. وبموجبه تكون واجبات الصف الأول: 10 دقائق، الصف الخامس: 50 دقيقة. الحادي عشر: 110 دقائق.
وهناك أنظمة تعليمية تمنع وجود واجب لدى طلبة الصفوف الثلاثة الأولى. كما أن هناك مدارس بالغت في زيادة حجم الواجبات على نحو:
 - من الصفوف 1  - 5: من نصف ساعة  - ساعة يوميا.
 - من 6  - 7: عشرون دقيقة لكل درس يومياً.
 - من 8  - 9: ثلاثون دقيقة لكل درس يومياً.
 - من  10  - 12: 30  - 45 دقيقة لكل درس يومياً.
ولكن هذه الأنظمة تحدد نوع الواجبات مثل:  - ملاحظة.  - استماع.  - قراءات.  - جمع معلومات.  - إعداد تقارير. هذه هي الواجبات المفيدة: متمايزة، اختيارية، قليلة الحجم، مرتبطة بحاجات الطالب، عملية، شخصية، لا تكرر مادة الدرس، تطبيقية، والأهم من ذلك انها ستوفر فرصة للطالب للحصول على تغذية راجعة مفيدة من مصادر متعددة: من المعلم، من زملائه، من ذاته، من أهله. وتقل قيمة الواجبات اذا لم يحصل الطالب على هذه التغذية الراجعة، ولنجاح هذه التغذية يقوم المعلمون بما يأتي:
 - إتاحة الفرصة أمام الطلبة بعرض واجباتهم ومناقشتها أمام زملائهم، والحصول على تغذية راجعة منهم.
 - وإذا تعذر ذلك، يمكن للمعلم الاطلاع على اعمال الطلاب، وتقديم توجيهاته لهم.
هذه هي الواجبات المدرسية الملائمة، وستكون المقالات القادمة تطبيقاً لها في المواد الدراسية المختلفة.

التعليق