د. جاسم الشمري

تساؤلات وسط الظلام!

تم نشره في الاثنين 10 نيسان / أبريل 2017. 11:03 مـساءً

ظلمات السجون صفحة من صفحات الموت البطيء التي تنحت الألم والحسرة في نُفوس المسجونين وذويهم، وبالذات حينما يُزجّون في تلك الدهاليز ظلماً وزوراً، وبلا مسوغ قانوني.
صور الظلم في العراق بعد سنوات الاحتلال البغيض لا حصر لها، ولهذا فان الطبقة الفقيرة أو غير السياسيين حينما يعتقلون فإنهم في الغالب لن يروا النور إلا بعد سنوات عديدة أو ربما لا يرونها ويقادون لمحاكم صورية تنتهي بالإعدام.
في الأسبوع الماضي أفرجت المحكمة العراقية الجنائية عن عضو مجلس محافظة بغداد ليث الدليمي بعد تبرئته من التهم الموجهة إليه.
وقصة الدليمي دخلت التاريخ؛ إذ شهدت قاعة المؤتمر الصحفي - (المنعقد يوم 27 أيار 2012)، والذي رتبته وزارة الداخلية للمتهمين، ومنهم الدليمي، وبحضور وسائل إعلام محلية وعربية- حادثة لم تتكرر حتى اليوم، حيث إن الدليمي- ومع بداية المؤتمر- قلب الطاولة على المسؤولين لأنه بدأ بالصراخ، داعياً "إلى حمايته من القتل على يد المحقق (العميد)"، وتصاعد صراخه داخل القاعة مؤكداً أن" الاعترافات أخذت منه بالقوة، وأنهم إن بقوا مع (العميد) فانه سيقتلهم"، وقد تم تصوير تلك الاعترافات وعرضت في عشرات القنوات الفضائية.
وبعد خمس سنوات "من التحقيق" تم إطلاق سراح الدليمي وتبرئته من التهم الكيدية التي ألصقت به! وهنا نتساءل: إذا كان عضو مجلس محافظة بغداد، وهو عضو اتحاد القوى المشارك في الحكومة لم تتم فصول مسرحية تبرئته إلا بعد خمس سنوات، فكم سنة يحتاج الإنسان العادي حتى تتم تبرئته؟ّ!
ومن الحكايات المؤكدة للخراب الإداري والقضائي ما ذكره نائب سابق قبل أقل من شهر بأن"أخاه اعتقل قبل ثلاث سنوات وحكم عليه بالإعدام، وقد تمكّن بعد جهود مضنية وتدخل أطراف "ثقيلة" في اللعبة السياسية أن يفك رقبته بمبلغ ربع مليون دولار".
وذكر مسؤول سابق آخر في جلسة جمعتني معه بأن" هنالك شبكة من "العلاقات السياسية" قادرة على قلب أوراق المعتقلين رأساً على عقب، وأن الوسطاء متواجدون في بعض الدول العربية، والاتفاقات مع الأطراف المؤثرة داخل المنظومة القضائية وخارجها تتم عبر الهاتف، ويتم إطلاق سراح المتهمين بعد التأكد من تحويل الأموال المطلوبة لحسابات مصرفية تابعة لهم"!
مقابل هذه الحالات " المُدَلَّلٌة" التي غابت رغم العلاقات والأموال بين ثلاث إلى خمس سنوات في الظلمات لا بد أن نقف عند مصير عشرات الآلاف من المعتقلين الذين لا نعرف حتى أعدادهم التقريبية، والذين ظُلموا في مرحلة خلق الأعداء التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة عبر الاعتقالات غير القائمة على دليل واضح؟!
حقيقة نتمنى أن نعرف كم بقي من هؤلاء الأبرياء داخل المعتقلات، وما هو مصير عوائلهم، ومنْ ينفق عليهم، ومنْ سينقذهم من الظلمات إن كانوا لا يملكون حتى قوت يومهم؟!
بعض الإحصائيات غير الرسمية ذكرت أن "عدد المعتقلين منذ مطلع العام 2003 وحتى كانون الأول (ديسمبر) 2016، هم 271 ألف معتقل من بينهم نحو 187 ألف معتقل لم يُحالوا للقضاء حتى الآن"! وأظن أن هذه الإحصائية تمثل نصف العدد الحقيقي للمعتقلين، وما خفي كان أعظم.
وعليه- ومع الدهشة من هذه الأرقام حتى غير الرسمية- نقول: منْ سينصف هؤلاء من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والمعنوية التي لحقتهم وعوائلهم، ومنْ سيعيد الاعتبار لهم بعد أن اتهموا بالإرهاب، ومنْ سيصحح مسار النظر لهم في المجتمع بعد أن ساهمت الحالة الشاذة في استصدار قرارات مخجلة على رجال هم دعاة وبناة ومثقفون وأساتذة جامعات ووجهاء وشيوخ عشائر وأصحاب جاه ومناصب؟!
هذه هي حقيقة القضاء والأوضاع المخجلة في المعتقلات السرية والعلنية بعد 14 عاماً من التغيير المزعوم في العراق. فهل هذه حالة تستحق أن يُقال عنها إنها ايجابية أم إنها طامة كبرى يمكن تسميتها بقاصمة الظهر التي خلّفت هذه الكوارث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية في بلاد كانت في الزمن القريب مضرباً للأمثال في الخير والعطاء والأمن والأمان؟!

التعليق