سائد كراجة

"حيَ على الجهاد"

تم نشره في الأربعاء 12 نيسان / أبريل 2017. 12:02 صباحاً

على مشارف الموت تتشابه ملامح الضحايا، لا فرق بين مسيحي ومسلم ولا بين ملحد ومؤمن، أما طقوس العزاء فهي للأحياء، يعزون بها أنفسهم، أو يلوذون بها من هول الفجيعة.
كيف أضحى المسيحي عدوا؟ ومتى تسلل حقدنا عليه؟ كيف سُنت النصوص حراباً لاقتتال السنة والشيعة؟ ومن جعل من الإزيديات سبايا؟ وكيف ومتى تشكلت مفاهيم القتل والموت والاتجار بالقهر والمرض؟!
الفقر والجهل ليسا بالطارئ الجديد فهما متأصلان وقديمان، وحتى التعصب فهو ظاهرة عابرة للمجتمعات والأمم، أما هذا الحقد الذي نشهده اليوم فهو حقد نوعي في لا إنسانيته وهو نتاج تراكم "فكري منحرف" لثقافة الفرز بين الذات والآخر، حيث الآخر هو عدو يشكل استئصاله هدفا للحياة، وإنجازاً يتوق له الانتحاري بدافعٍ ديني، على اعتبار أنه تحقيق لإرادة الله ونصرة دينه على الأرض.
لقد تم التزييف والتدليس البطيئين والممنهجين على الدين والإنسانية، والسؤال؛ كيف تم ذلك على مرأى منا؟ كيف مر خطاب الكراهية والتفرقة من تحت أنوفنا دون أن نشتم رائحته الكريهة!؟ كيف تسرب هذا الخطاب إلى ثقافتنا وغرف الصف في مؤسساتنا التعليمية، وكيف روج له الإعلام قاصداً أو غافلاً؟! كيف تم خلق هذا الغول المرعب أمام أعيننا ونحن ننظر إليه كمن يشهد موته البطيء دون أن يحرك ساكناً؟!
تتجه الأفكار في تحليل ظاهرة الكراهية والانتحاريين نحوهم؛ تتجه نحو ظروفهم الاجتماعية والإقتصادية، نحو المناهج والمدارس والجامعات ونحو الفقر وضيق ذات اليد. ولكن لماذا لا ننظر إلينا نحن الضحايا؟! أو الضحايا المستقبليين ونحن نحاول فهم ظاهرة الكراهية والإنتحاريين؟!، ألم نساهم - بوعي أو بغير وعي - في تكريس ظاهرة الكراهية والانتحاريين ودعمها؟!.
نعم، لقد ساهمنا في تشكيل تلك الظاهرة عندما توقفنا عن الحياة، وتسمرنا في أماكننا بوهم محاربتها، تلك المحاربة التي اقتصرت على النقد والدراسات وورشات العمل، لقد ساهمنا بذلك عندما توقفنا أن نعيش قناعاتنا وقيمنا وحياتنا، وصار جل جهدنا منصبا على أن نكون ضدهم بالنقد والدرس والبرامج الإعلامية، نحلل وندرس ونستنتج، وكأنهم حلوا فينا وجمدونا عن الحياة.
أين المسرح وأين الموسيقى وأين المجاهرة بالقيم الشخصية؟، إن كنّا نلوم الكتب الصفراء فأين هي الكتب الخضراء؟! كيف نكصنا عن فن الرواية والأدب والمسرح والكوميديا؟! وأين هي المسلسلات البدوية؟ نعم المسلسلات البدوية! أين هي الدراما التلفزيونية والأفلام السينيمائية؟! أين هي المسابقات الرياضية والفنية والثقافية في مجتمعاتنا ومؤسساتنا التعليمية؟!.
لا شك أن الدولة قد ساهمت أيضاً في غياب حياة أو مجتمع مجابه لحياة الكراهية التي يبشر بها الانتحاريون- وهم بالمناسبة على درجات؛ ولكن في العموم تجمعهم أيدلوجيا الموت والقتل والإقصاءً للآخر-، ساهمت بذلك عندما منعت مهرجانات واحتفالات فنية خوفاً وهلعاً.
الدولة، وبشكل اعتباطي أهملت التعليم الذي هو ثروة الأردن، وقايضته بمواقف سياسية وتنازلات لجهات تتبنى خطابا ثقافيا إقصائيا، ولكن أيضا، ومن باب نقد الذات؛ فقد ساهم المسيحيون بذلك عندما اعتبروا أنفسهم "أقلية"، وليسوا مواطنين لهم الحق بالمطالبة بكامل حقوقهم، وساهم المسلمون عندما قعدوا عن الدفاع عن دينهم وسماحته، وساهم بها أيضاً العلمانيون عندما فهموا العلمانية على أنها إقصاء للدين، وساهم بها المسرحيون عندما توقفوا عن الإنتاج المسرحي والفني بدعوى الظروف الاقتصادية - وكأن بدايات المسرح كانت ترفل في الثراء والثروة-، وساهمت بذلك الأمهات عندما توقفن عن تبشير أولادهن بقيم احترام الجار أي كان دينه وعرقه وأصله. لقد ساهمنا جميعاً في ظاهرة الكراهية والانتحاريين عندما لم نقدم بديلاً عملياً فعلياً للكراهية وثقافة الانتحار.
إن القلب لمكلومٌ على ضحايا خان شيخون، ومن اغتيلوا على أعتاب محاكم عمان ودمشق، ومن تحولوا في موتهم صليباً لآلام هذه الأمة في كنائس مصر، ومساجد اليمن وحسينيات العراق، يَدمي القلب موتهم. ولكن ما يريع أكثر من الموت هو التوقف عن الحياة، توقفنا جميعاً على أن نقدم بديلاً حضارياً يومياً للتعايش الحضاري السلمي، ذلك أن شجاعة ممارسة الحياة والثقافة والفن والقيم الإنسانية هي أفضل جهاد لمجابهة الانتحاريين.

التعليق