أبو بكر الجندي يقود جيشاً للتعداد للعبور إلى المستقبل

تم نشره في الأربعاء 12 نيسان / أبريل 2017. 12:06 صباحاً

 د. سعد الدين إبراهيم 

 دعا اللواء أبو بكر الجندي حوالي خمسين من الأكاديميين والإعلاميين ورجال الأعمال، صباح يوم 19 آذار (مارس) الماضي، إلى اجتماع في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي يقع في مبنى فرعوني ضخم بطريق صلاح سالم.
ولولا تقديري الشخصي للرجل وإلحاح عدد من مُساعديه لحضور الاجتماع، لما ذهبت. فمثل مبنى مُجمع التحرير، ومبنى الإذاعة والتليفزيون في ماسبيرو، لا أحمل لتلك المباني الضخمة إلا الازدراء، ولا أحمل لآلاف العاملين المُكدّسين فيها إلا الإشفاق. فمنذ قرأت دراسة شهيرة لعالم الاجتماع الأميركي مورو بيرجر عن البيروقراطية المصرية، وأنا مُقتنع كما قال ذلك الباحث أن العمل في أي من أجهزة الدولة المصرية يمكن إنجازه بربع عدد العاملين، وربما بكفاءة أعلى، وإتقان أفضل. ويقول مورو بيرجر أن سبب ذلك التكدُس بالثلاثة أرباع الزائدة عن المطلوب، هو، أولاً أبوية الدولة الفرعونية، ونزعتها لشغل كل أبنائها ولو في أعمال صورية أو مظهرية. وثانياً نزعة المصريين لتفضيل الوظيفة الحكومية، حتى لو كانت بلا مضمون حقيقي، وذلك لما تنطوي عليه من أمان، مهما كان عائدها متواضعاً. وهي الظاهرة التي أورثتنا أحد الأقوال الشعبية المأثورة، "إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه". والميري هنا يعني قطار الحكومة، أو جهازها الإداري.
المُهم لموضوعنا أن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء قال في ذلك اللقاء الذي دام لثلاث ساعات، إنه يمكن للآلاف الثلاثة الذين يعملون فيه أن يتحولوا إلى خلية نحل تعج بالنشاط، وأن تُنتج عسلاً أبيض مُصفّى. وكان التعداد العشري والذي يتم خلال نيسان (أبريل) 2017، نموذجاً لهذا التحول النوعي.
ففي عرضه لجهود الجهاز لإجراء التعداد، أحسست أنا شخصياً، ثم تأكدت ممن حضورا اللقاء، أن أبو بكر الجندي استعد لمعركة إجراء التعداد بنفس المنهجية والاقتدار الذي استعدت به القوات المُسلحة المصرية لحرب أكتوبر 1973، والتي انطوت على إعجاز وإنجاز عبور واحد من أطول وأقسى الحواجز المائية في التاريخ، وهو قناة السويس واختراق خط بارليف.
فإذا لم يكن اللواء أبو بكر الجندي قد شارك في حرب أكتوبر فعلاً، فمن الواضح أنه درسها دراسة جيدة للغاية. فما قاله عن استعداد الجهاز المركزي للتعبئة العامة لإجراء التعداد العشري (الذي يتم كل عشر سنوات، منذ كان التعداد الأول العام 1897)، كان أشبه بما سمعته من القادة العسكريين لحرب أكتوبر المجيدة. وذلك من حيث الحساب والاستعداد لكل كبيرة وصغيرة في تلك الواقعة الأسطورية.
من ذلك، أن الجهاز قام على مدى ثلاث سنوات سابقة للتعداد، بتدريب ما يقرب من مائة ألف كادر من الجامعيين على أساليب حصر المباني والمُنشآت على كل متر مُربع من أراضي جمهورية مصر العربية، البالغ مساحتها مليون كيلو متر مُربع، وعلى المعمور والمهجور من هذه المساحة الشاسعة، بحيث أصبح لكل متر مُربع ما يمُاثل الرقم القومي، الذي يحمله كل مواطن مصري. ثم التدريب على إحصاء الأنشطة القائمة في هذه المُنشآت (سكن، زراعة، تجارة، صناعة، ترويج وترفيه، ألخ)، ثم بعد هذا وذاك يقوم هذا الجيش من العدادين بإحصاء البشر، ثم تقوم عدة كتائب من المُفتشين (مثل البصّاصين في العهد المملوكي والمُخبرين في العهود التالية) بالتأكد من تطابق الفضاء والحجر والبشر.
ثم وجّه الحاضرون من الأكاديميين والإعلاميين إلى اللواء أبو بكر الجندي أسئلة عديدة. وأجاب الرجل عن بعضها بوضوح واقتدار. ولكنه كان بتواضع العُلماء وأبوية الرؤساء يعتذر عن إجابة بعضها الآخر، ويستدعي أحد مُساعديه ممن يُلم أكثر بهذا الجانب أو ذاك للإجابة. وفي هذا السياق قدم لنا مُدير الجهاز معظم كبار مُساعديه من القيادات الوسيطة. ثم نظّم للمدعوين في اللقاء جولة بالأقسام المُختلفة للجهاز للتعرف على ما يقوم به كل قسم.
ولفت انتباهنا جميعاً أن عدد الإناث على مستوى تلك القيادات الوسيطة يُماثل أو يزيد قليلاً على الذكور، وهو ما أكدته إحدى الباحثات في مركز ابن خلدون، هبة مصطفى، التي كانت قد عملت بالجهاز، وشاركت في المراحل التمهيدية للتعداد، بجولات مُكثفة في صعيد مصر (أسوان وقنا وأسيوط وسوهاج).
كذلك كان لافتاً أن الجهاز لا يتوقف عن العمل بين التعدادات العشرية. فهو يقوم بتعدادات نصفية (كل خمس سنوات)، ومسوح بالعينة لأنشطة شتى. ويُصدر عنها كُتبا ومطبوعات دورية، يصل عددها إلى حوالي ثلاثين. وحيث كان بعض من حضروا اللقاء مُتشككاً في مصداقية ما يستمعون إليه، بادر اللواء أبو بكر الجندي بإعداد مكاتب تحتوي على نُسخ من هذه المطبوعات الدورية. وخرجنا من لقاء الساعات الثلاث ونحن مُثقلون بالمطبوعات والأرقام والمعلومات، التي لا يتسع مقال واحد للحديث عنها.
وعلى المستوى الشخصي، وحيث لي خبرة إقليمية ودولية بمثل هذه الأجهزة أوروبياً وأميركياً وآسيوياً، لا بد أن أقر أن جهازنا للتعبئة العامة والإحصاء لا يقل قُدرة وفعّالية عن أمثاله في الولايات المتحدة والهند وكوريا الجنوبية. فهنيئاً لمصر بجهازها وبابنها البار أبو بكر الجندي، وأبناء وبنات الجيش العرمرم الذي يقوده. وهلُم بنا نتعاون معهم لإنجاز تعداد 2017، الذي وعدنا بنشر وتداول نتائجه خلال أربعة أشهر من الآن. والله على ما يعدون به شهيد.
وعلى الله قصد السبيل

التعليق