غصّتي بل غصّتنا الكبيرة

تم نشره في الأربعاء 12 نيسان / أبريل 2017. 12:06 صباحاً

محمد الشواهين

من حق كل انسان ان يعتز بوطنه، ليس من باب الاقليمية والعنصرية، بل من باب المشاعر التي فطرنا عليها كبشر، لأنه الحضن الدافئ والملاذ الآمن الذي يرتاح له الجسد والوجدان. ان تجد شخصا او فئة تزاود بحبها للوطن بشكل مبالغ فيه عن غيرهم  أمر طبيعي، وليس بذي قيمة، فلهم ذلك، المهم في الأمر مدى القيمة التي يقدمها كل منا، كمواطنين، في سبيل خدمته ورفعته، ومدى احترامنا لقوانينه، والحفاظ على سمعته.
الذين أتيحت لهم الفرص لزيارة بلدان كثيرة من الشرق والغرب، عربا واعاجم، من مختلف الأعراق واللغات والمعتقدات، يلمس حقيقة ان كل الشعوب تحب أوطانها؛ كل بطريقته وحسب ثقافته الموروثة والمكتسبة، لدرجة انه قلما تجد شخصا يلقي بعقب سيجارته في الشارع العام حفاظا على نظافته، وظهوره بالمظهر اللائق. لكن لو حصلت من زائر، مهما كانت جنسيته، فستحرر له مخالفة ملزمة للدفع الفوري والا سيق الى السجن.
وليس الأمر مقصورا على النظافة فحسب، بل بمراعاة جميع الانظمة والقوانين عن قناعة ورضى خاطر، في جميع مناحي الحياة، بما في ذلك منظومة القيم والاخلاق في التعامل مع الآخرين، وبذل الجهد والاخلاص في العمل، وصون أمن البلد ومقدراته.
 هناك، لن تجد شخصا يعتبر نفسه فوق القانون مهما علا منصبه. الكل خاضع للمساءلة، من يُحسن يُثاب، ومن يتجاوز يلقى عقابه كائنا من كان، أما هذا ابوه فلان وعمه علان، فلا تجدها الا في المجتمعات المتخلفة.
لا اود الإسهاب كثيرا، فالمجال لا يتسع لمزيد من التفاصيل المقيتة، فعندما اقارن ما نحن فيه من ثقافات وسلوكيات مع غيرنا من بلاد العالم، تصيبني غصة مؤلمة، كما هي غصة غيري من ابناء المجتمع الأردني على وجه الخصوص، والعربي على وجه العموم. وهذا ليس معناه ان اللوم في كل هذه السلبيات يقع على عاتق المواطنين، وتبرئة الحكومات التي تعيث فسادا، ولا الانظمة الشمولية التي تمارس الاستبداد في ابشع صوره واشكاله.
الواسطة والمحسوبية، ليس لهما وجود في الدول المتحضرة، ولا تجد (سحيجة او ماسحي جوخ) لهذا المسؤول او ذاك.  قد تجد هناك مسؤولا على درجة عالية من الأهمية، يقف في طابور الصراف الآلي دون ان يتودد اليه أحد ويمنحه دوره.
افراد المجتمع هناك متساوون في الحقوق والواجبات، فلا محاباة ولا تهميش ولا اقصاء. الحياة تسير بشكل طبيعي وسلس، فلا مشاجرات ولا فزعات، ولا ولائم من اجل الصيت او التزلف لكسب الرضى.
يحزنني تاريخنا العربي الذي يشير الى ان اجدادنا الأولين في بغداد والأندلس؛ حكاما ومحكومين، وصلوا الى قمة الحضارة والرقي، في وقت كانت شعوب اوروبا تعيش في دياجير الجهل والظلام. استغرب ما الذي قلب المعادلة اليوم!
التراجع المؤلم الذي حل بنا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا، ويسير من سيئ الى اسوأ، اوصل الكثير من شبابنا الى درجة الاحباط، ما دفعهم نحو التطرف والانخراط في صفوف التنظيمات الارهابية. بعض المراقبين ذكروا ان زهاء اربعة آلاف عنصر من عصابات داعش هم اردنيون، أفبعد هذا الحديث كله هل ثمة من يستغرب سبب غصتي، بل غصة الأردنيين!!

التعليق