هل حققت الضربات الأميركية أهدافها؟

تم نشره في الأربعاء 12 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

شهاب المكاحلة - نيويورك

يشير الكثير من الباحثين والسياسيين الأميركيين وغيرهم هنا في الولايات المتحدة، إلى أن الضربات الصاروخية على قاعدة جوية قرب حمص قد تتطور الى ضربات أقوى ولفترة زمنية أطول، وهذا ما هو متوقع خلال هذا الشهر. ويشير هؤلاء المحللون إلى أن هناك لائحة من 50 هدفاُ هي الأهداف الرئيسية والإضافية بهدف الحاق ضرر بقوات الرئيس السوري بشار الأسد وإعطاء فرصة للمسلحين لاستلام زمام المبادرة.
ففي فجر الجمعة 7 نيسان (أبريل) 2017، قامت البحرية الأميركية بإطلاق 59 صاروخ "توماهوك" بالقرب من جزيرة كريت اليونانية في البحر المتوسط مستهدفة قاعدة الشعيرات الجوية والتي تبعد 25 كلم جنوب شرق مدينة حمص، وسط سورية، حيث بدأت التحليلات تنهال بأن سياسة ضبط النفس الاميركية انتهت وأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء في سورية لأن السياسة الأميركية قد تغيرت ودخلت منعطفا جديدا من المراقبة إلى التدخل المباشر.
منذ بداية الشهر الحالي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام واحد من أمرين هما: السكوت وحينها تتمادي الأنظمة التي تنعتها الولايات المتحدة بالديكتاتورية والدموية، أو أن يرد لاستعادة مصداقيته، وكان هذا حين صرح في كلمته التي قالها عشية الضربات بأن "جميع المحاولات لإصلاح الأسد باءت بالفشل". فاصدر أوامره بشن تلك الضربات الصاروخية كرد على الهجوم بالاسلحة الكيماوية على ادلب. ويرى بعض المحللين كذلك أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن السبب الحقيقي لتلك الضربات ليس رأفة بمن قُتل بسلاح كيماوي، لأن القرار اتخذ قبل حادثة الكيماوي، بل يعود إلى طبيعة الخلافات الحادة في السياسة الأميركية وصراع النفوذ في الولايات المتحدة نفسها. أي أن تلك الضربات مرتبطة بأجندة سياسية للإدارة الأميركية التي تعاني من ضغط شعبي كبير ومطالب جماهيرية متزايدة تشكل توتراً في البيت البيض. ويكفي ما يكال للإدارة الاميركية الحالية من تهم من الإعلام الأميركي نفسه واتهام ترامب ذاته بأنه لا يصلح لحكم الولايات المتحدة.
هناك فعليا خمس بوارج أميركية تقوم بدوريات في شرق المتوسط، لاطلاق صواريخ كروز وتوماهوك من خارج مرمى الدفاعات الجوية السورية، ومنها حاملة الطائرات"يو اس اس نيميتز". كما أن هناك بوارج أميركية عديدة وثلاث مدمرات متمركزة في البحر الأحمر يمكنها إطلاق صورايخ كروز على سورية.
وبعد الضربة الأولى قام مسؤولو وزارة الدفاع بتحليل الاصابات والتي قد تتطور لاحقا إلى ضربات على قواعد قريبة من الحدود الاسرائيلية واللبنانية والتركية تمهيدا للقيام بإنشاء مناطق آمنة لإيواء اللاجئين وهو ما كانت الادارة الأميركية تنادي به منذ مدة  وهو ما كان ينادي به ترامب نفسه أثناء الحملة الانتخابية.
ولكن تلك الضربة هي في الواقع تجميلية، أي أنها لتحسين صورة ترامب أمام الرأي العام الأميركي والعالمي بأنه مع حقوق الانسان وأنه مع السلم العالمي وتحقيق العدالة والديمقراطية، ولكنه في الوقت نفسه قد يكون قد وقع في الفخ الذي نصب له. فالمستنقع السوري ليس كالعراقي. فعندما صيغ قرار ضرب العراق منذ عدة سنوات بسبب ما قيل إنه رد فعل على استخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب العراقي الأعزل كان الوضع مريحا للمجتمع الدولي لأن الاتحاد السوفيتي حينها نأى بنفسه ولم يتدخل. اليوم الوضع مختلف تماما، فروسيا وقواتها مرابطة في عدة مواقع في سورية ناهيك عن أنها نصبت منظومات دفاع جوي قادرة على اسقاط أي طائرة أو صاروخ عند إعطاء الأوامر.
وفقا للقيادة العسكرية الاميركية، فإن الضربات ستكون محددة الاهداف.  إلا أن صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" ترى أن تلك الضربات تمثل "عرض قوة" ولن تؤدي إلى تغيير كبير في معادلة القوى على الأرض، ولكنها ستعود بالفائدة على المعارضة السورية المسلحة بكل فصائلها رغم تشتتها، مع التشكيك في تغيير شامل في موازين القوى لصالح اسقاط النظام السوري.
ووفقاً لمعهد "آي أتش إس جينز" الأميركي، فإن سورية أصبحت ساحة عمليات، لذلك فإن أي ضربات جوية لن تكون ذات تأثير كبير على المستوى العسكري للمسلحين ولن تحقق أي مكاسب استراتيجية أو سياسية لهم. لذلك فإن الضربات تستهدف القواعد الجوية التي لا يتواجد بها طيران روسي أو مخازن السلاح، خصوصاً المخازن التي تحتوي على منظومة صواريخ أرض أرض. كما أن الأهداف المرجحة في تلك الضربات هي المروحيات التي تستخدم لتموين القوات السورية ومراكز قيادة عسكرية وبنى تحتية للاتصالات.
من الواضح أن إدارة ترامب تريد تحرير الرقة والتي ستشكل ضغطاً كبيرًا على الجبهة الجنوبية لسورية، أي على الأردن، لأنها الممر الوحيد للتنظيم في حال بدء ساعة الصفر لتحرير المدينة. لذلك فإن الأمر يستدعي اقامة مناطق عازلة على الحدود الأردنية السورية وعلى الحدود السورية اللبنانية وعلى الحدود السورية التركية بغطاء دولي، ولن يتحقق ذلك بدون تعاون دول الجوار السوري والقوات الكردية لتطهير المنطقة من الإرهاب.
يبدو أن الضربات الأميركية لم تفاجئ الكثيرين لأن المطلوب تصدير أزمة طاحنة تعاني منها الحكومة الأميركية هنا في ظل الضغوط المتزايدة سياسياً واقتصادياُ وشعبياً ودولياً، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا التجسس الروسي على الانتخابات الأميركية. فهل كانت الضربات الجوية على سورية مجدية أم أنها كانت بمثابة متنفس لترامب للهروب من كل الإشكاليات الداخلية.. أم أنها مصيدة سياسية؟

التعليق