نحو خريطة ثقافية عربية (2 - @)

تم نشره في الجمعة 14 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

استكمالاً للطرح السابق، الذي تناولت فيه موضوعة التشظّي الثقافي العربي، وانعكاس ذلك على مجمل العقل العربي، وذلك بالحَجْر عليه مُسبقاً في أنساق مُغلقة، تحت مقولات كـ:الوطن، الآيديولوجيا، الإثنية، الدين، بما يمنع عنه فكرة الانفتاح على مُنتجات الغير، والاستفادة منها في تحقيق شرطِ الاجتماع الإنساني بصورة تليق بالإنسان المعرفي/ الجمالي/ الأخلاقي.
إذاً، استكمالاً للطرح السابق، ما هي ملامح الخريطة الثقافية العربية، وما هو المأمول منها؟.
سأقدّم هَهُنا (المأمول) على (الملامح)، لما لذلك من أهمية ليس في تعميق المشهد الثقافي العربي على المستوى السيكولوجي، والانتقال من طور التفتّت إلى طور الوحدة، بل لما يحتمله (المأمول) من تأسيس لفكرة التعدّدية والتنوّعية التي تستلهم الثراء المعرفي في أبهى صوره، بما يعزّز أكثر خيارات الإنسان في مجال الحرية الفكرية؛ على حساب فكرة الأحادية التي تفترضُ إلغاءً وشطباً مبدئياً لما سواها، بما يدفع باتجاه كوارث ستُغلق الأذهان، ومعها ستنغلق الأعيان، وتذهب بعيداً باتجاه الاحتراب، إن لم يكن بشكلٍ واعٍ واضح، فبشكلٍ لا واعٍ مُتوارٍ.
وعليه، فـ(المأمول) أهم من (الملامح)، لما ينطوي عليه من تأسيس لفكرة الحرية في تجلّيها البعيد، فالدفع باتجاه خريطة ثقافية عربية، بما يتجاوز حدود الأوطان والآيدولوجيات والإثنيات، سيؤسّس يقيناً لخريطة ثقافية إنسانية، طالما أن الغاية هي الحرية المعرفية، بعيداً عن إكراهات الأنماط المُغلقة وسياقاتها التي تحدّ من حرية الفرد في تشكيل خياراته المعرفية، وذلك بالحَجْر عليها مُسبقاً، تحت شعارات طنّانة ورنّانة، مثل الحفاظ على الهوية الوطنية أو اللُحمة الآيديولوجية أو القيم الدينية، وما إلى ذلك من شعارات تنحلُّ لها مفاصل الرُكَب.
لكن (الملامح) خطوة ضرورية في تظهير معالم بناء (المأمول)، إذ من الضروري أن ينفتح المشهد الإبداعي العربي، بتمظهراته المختلفة، على بعضه بعضا، بطريقةٍ تنحاز لفكرة اللغة على حساب فكرة الوطنية، لناحية أن سياق الفكرة الأولى ( = اللغة) سياق جامع على المستوى المعرفي، وسياق الفكرة الثانية ( = الوطن) سياق مُفرِّق على المستوى المعرفى، فالتجسيد الهوياتي يتمظهر في واحدٍ من أعمق تمظهراته في اللغة، لكن هذا التجسيد قد يتعرّض للتفتيت، إذا ما سبقت النوايا الوطنية/ الآيديوولجية/ الإثنية...الخ، التموضع النصّي بلغةٍ من اللغات. والحاصل في العالَم العربي، هو أسبقية النوايا على اللغة في تجلياتها الإبداعية، فابن الوطن سيتقدّم بلا شكّ –بصرف النظر عن مستواه الإبداعي- على ابن الوطن الاخر، نظراً للحمولة القُدسية لفكرة الوطن، والتي تسبق بالضرورة فكرة الإبداع المُتجلية في نصٍّ قد لا يكون لابن الوطن تحديداً، بل لابن وطن مُجاور!. بما يضع المرء في تابوت مُسبق، فهو خاضع لأنساق من التنميط المبدئي، يضع حُريته المعرفية في طور الهدر الدائم.
لذا، من الضروري كما أسلفت، الاشتغال على فكرة التأسيس لخريطة ثقافية عربية، يكون فيها –كحالةٍ أولى- ابن موريتانيا حاضراً في عقل ووجدان الإنسان الأردني، سواءً في المدارس أو الجامعات أو الأندية الثقافية أو المجاميع الفكرية أو النقاشات المعرفية، وأن يكون ابن عُمان حاضراً في عقل ووجدان ابن ليبيا، سواءً في المدارس والمناهج التعليمية أو الدروس الثقافية أو الأنشطة الأكاديمية...الخ.
وأن لا يكون –كحالةٍ ثانية- الحضور في هذه الخريطة الثقافية لأسماء مُكرّسة، بحيث تتحوّل هاتِهِ الأسماء إلى أصنام جديدة، ضمن سلسلة الأصنام التي امتلأت بها الذهنية العربية، وحوّلت إلى حيوانات طوطمية. فالأَوْلَى بتلك الخريطة أن تحوي فرقاء 1- الأذهان. 2- الأزمان، بحيث لا يتم استبعاد أحد على حساب أحد، أياً كانت المُسوّغات والأسباب، لما لذلك من إعادة استنساخ لفكرة الآحاد والذوات المعدودة. لكن استيعاب هذه الخريطة لفرقاء الأذهان، سيعوّد الإنسان العربي على أنماط مختلفة من الإبداع، حتى لو تعارضت مع مبادئ أولية أو مسلّمات آيديولوجية أو يقينيات، فالأولوية للإبداع التنوّعي لا للفرز القسري. واستيعاب هذه الخريطة –أيضاً- لفرقاء الأزمان، سيعوّد الإنسان العربي على عدم احتكار المعرفة من قبل جهة على حساب جهة، بل هي مناط الإنسان المجتهد، سواء أكان طفلاً صغيراً أو شيخاً طاعناً في السِنّ.
وهكذا، تأخذ الخريطة الثقافية العربية ملمحاً يكاد يكون واضحاً (هو بلا شكّ بحاجةٍ إلى جدل ونقاش تشارك فيه أطراف كثيرة، طالما شعرت أنها معنية به وبسياقاته المختلفة)، ساعة تنتصر لفكرة الإبداع أنّى تمظهرت أو تجسدت. ففي المنهاج التعليمي التونسي –كمثالٍ- يصير حضور الإبداع العربي، سواء –من ناحية- أتمّ إبداعه في فلسطين أو لبنان أو قطر أو الصومال...الخ، ميزةً لهذا المنهاج. وسواء –من ناحية ثانية- أتمَّ إبداعه من قبل شابة في ميعة الصبا أو شاعر كبير في السنّ، وسواء –من ناحية ثالثة- أتمَّ إبداعه من قبل طالب في كلية الشريعة أو طالب في قسم الفلسفة، فالكُلّ حاضر في مشهدية هذا المنهاج التعليمي، فهو المُعبِّر عن روح الخريطة الثقافية العربية وملامحها العريضة، لا سيما فيما تؤسِّس له من تعدّدية وتنوّعية، ستفضي –آجلاً- إلى تعميق قيمة الحرية المعرفية لدى الإنسان العربي، وذلك بتوسيع مدى مُدخلاته وتفتيح مساماتها التي أغلقت لفترات طويلة، وهذا سيؤدي بدوره إلى تحسين جودة مُخرجات هذا الإنسان على المستوى المعرفي، بحيث لا يتجاوز إحداثية الحبس العقلي التي حجرت على ملكته العلقية فحسب، بل يُساهم في التشبيك والاشتباك مع عقله أولاً ومع العالَم ثانياً، في خلق مساحات أوسع للتعارف الإنساني، بعيداً عن تلك الآراء المُسبقة، التي تنتصر لفكرة على حساب فكرة دونما وجه حقّ، أو لوطنٍ على حساب وطن، أو لآيديولوجية على حساب آيدولوجية أخرى، أو لحساب إثنية على حساب إثنية أخرى. ففي نهاية المطاف، ثمة أمل، أمل كبير، معقود على الإنسان العربي، لا سيما إذا ما دفعنا باتجاه احترام قيمته الوجودية في هذا العالَم، والتي لا يمكن لها أن تتحقّق إلا بتعزيز قيمة حريته المعرفية بدايةً، فهي الطريق المُفضية إلى توسيع رقعة الاجتماع الإنساني، لا سيما في جانبه التعدّدي، التنوّعي، الثري؛ حتى ساعة يختلف معنا، فالاختلاف ميزة العقلاء، والخِلاف ميزة التعساء.  

التعليق