الشارع الأردني

تم نشره في الخميس 13 نيسان / أبريل 2017. 11:04 مـساءً

ما إن يجري تناول قضية من القضايا التي تهم الناس بالبحث او النقاش حتى يقفز الى المحادثة، وبدون سابق انذار، تعبير "الشارع الاردني". في أغلب الحالات يتحدث اطراف الحوار باسم الشارع، ويقدم كل منهم ادلته ليثبت معرفته بما يدور في اذهان المواطنين حول الموضوع. الحديث عن رأي الشارع وما يراه غالبية الناس ليس مقصورا على الاردن. وبالرغم من استخدامنا لعناوين كثيرة تشير الى اهتمامنا بذلك مثل "رأي الشارع" و"نبض الشارع" وغيرها من الاشتقاقات، الا اننا نفتقر الى وسائل ومناهج تمكننا من رصد مواقف واتجاهات وآراء الشارع، ما يجعل ادعاءاتنا وزعمنا اقرب الى التخمين منه الى الحقيقة.
في الاردن بقي الشارع الطويل الواصل بين  العاصمة ومحافظات الشمال "شارع الاردن" اقل طرقاتنا الخارجية استخداما وازدحاما. وتكاد جنباته ان تكون خالية من المباني والمنشآت بعكس الشوارع الاخرى. لكن ذلك لا يعني خلو الشارع من الآراء والافكار والمقترحات، فهو متخم بها ويعبر عنها بوسائل متنوعة قد لا نعرف الكثير عنها.
 الصحافة الورقية التي ظهرت بواكيرها في العشرينيات وازدهرت في التسعينيات من القرن الماضي، اهملت دراسة الرأي العام واكتفت بتطوير ادوات صياغة واخراج ونقل محتواها للقراء. وكما الصحافة، ظلت الجامعات ومراكز البحث بعيدة عن الاهتمام برأي الشارع واتجاهات ومواقف الناس من القضايا والاحداث والقرارات المتعلقة بالشأن العام. باستثناء الاستطلاع الشكلي الذي صمم في تسعينيات القرن الماضي ويجري تطبيقه دوريا من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية للتعرف على شعبية الحكومات ودرجة ثقة العينات بقدرتها على تحمل مسؤولياتها، فإن الساحة تبدو شبه خالية من الدراسات والاستطلاعات التي يمكن ان يسترشد بها صناع القرار وواضعو السياسات.
 طريقة التعرف على الاتجاهات والآراء والمواقف تجري هذه الايام بطريقة التخمين او بالاعتماد على بعض المتبرعين ممن يدلون بانطباعاتهم او يقدمونها مكتوبة او بطرق اخرى لمن يهتمون برصدها والتعرف عليها. في السنوات الاخيرة  اصبحت بعض المراكز البحثية والصحف تعقد جلسات دورية يدعى للمشاركة فيها خبراء واصحاب رأي واكاديميون لمناقشة قضية ساخنة في محاولة للتعرف على الآراء والمواقف من خلال الاتجاهات والمدارس التي يمثلها المشاركون في مثل هذه الورش والجلسات. بالرغم من أهمية هذه الاساليب والادوات في تقديم مؤشرات عن آراء وانطباعات بعض مكونات الشارع حول ما يدور من احداث وما يتخذ من قرارات الا انها تبقى قاصرة عن توليد بيانات دقيقة وموثوقة وممثلة يمكن الاعتداد بها.
تعقيدات القياس والرصد والتحليل للرأي العام اصبحت قضية مقلقة للباحثين والساسة وصناع القرار على حد سواء. في الغرب الذي طور مناهج واساليب القياس وظل يعتمد على نتائج الدراسات والاستطلاعات في تقييم الخيارات والتنبؤ بنوع واتجاهات التحولات التي تطرأ على المجتمعات لعقود طويلة برزت مشكلات جديدة في هذه الأساليب والمناهج وقدرتها على القياس والتنبؤ.
في العام الماضي فشلت الاستطلاعات والدراسات في التنبؤ بنتائج الاستفتاء الذي خرجت بموجبه بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، كما سجلت مؤسسات استطلاع الرأي العام في الولايات المتحدة فشلا مماثلا عندما توقعت فوز هيلاري كلنتون في الانتخابات التي جاءت بدونالد ترامب رئيسا لاكثر بلدان العالم ايمانا بصدق الاستطلاعات واعتمادا عليها.
للشارع الاردني تركيبة معقدة وتوجهات متعددة ومصالح متضاربة يصعب تسطيحها وتبسيطها واختزالها في انطباعات يقدمها البعض من خلال تقارير او تحليلات او تخمينات او حتى استطلاعات جرى تصميم أسئلتها وتصوراتها قبل  التغيرات الجذرية التي طالت التركيبة الديمغرافية والتحولات الاجتماعية وتغير الأوضاع الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية.
 الشارع الأردني مزدحم ومكتظ، وفيه دواوير وتقاطعات، وعلى طوله إشارات ومواقف ينبغي مراعاتها عند الحديث عنه.

التعليق