كلهم ناجحون

تم نشره في الخميس 13 نيسان / أبريل 2017. 11:08 مـساءً

ما يكتبه الكتاب والمؤلفون والمعلقون اليوميون في الصحف والمجلات الورقية هو الجديد غير الموجود في الإنترنت، إلا إذا قامت تلك الصحف والمجلات بنشره في الوقت نفسه فيها. إنني أقصد أن كل المعرفة صارت عند جوجل وأخواتها، وأنها جاهزة بلمسة الأصبع، مما لم يترك للذاكرة الطويلة والقصيرة التي يقيمها امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) وكل امتحان على  ذاكرته، قيمة. ومع ذلك وعلى الرغم منه يجب أن يبقى في كل ذاكرة قدر جاهز من المعارف والمعلومات اللازمة للتعامل اليومي مع المشكلات... الطارئة.
وعليه فإنه في امتحانات تقوم على استرجاع الذاكرة، كما هو سائد إلى اليوم، لا فضل أو قيمة عليا للناجحين على غير الناجحين فيها، ولا تدل على أن الناجحين سيكونون أقوى أو أنجح في الحياة من غير الناجحين. إن النجاح أكثره اجتهاد من الناجحين بحفظ المعلومات القصيرة المدى في الذاكرة.
ومما يزيد من قناعتي بقدرة كل طفل/ة ، تلميذ/ة سوي (غير معوق عقلياً) التحاقه بالمدرسة وهو يتقن مبكراً لغة الأم ولغة الأب إذا كانت مختلفة وبقية المهارات الحياتية ليبقى وينجح في تلبية حاجاته اليومية، وهي أصعب - لو فكرتم- من جميع المواد المدرسية، ولكن أسلوب تعليم اللغة والمهارات في الأسرة، يختلف عن تعليمها في المدرسة. إن الأسرة تأخذ بأيدي جميع أطفالها وتعطيهم الفرصة تلو الفرصة والرعاية الدافئة ليتعلموا فيتعلمون، بينما تقوم المدرسة بالعكس: تصنفهم وتتهمهم حسب نظرية الذكاء الأميركية البائدة.
لقد ذهلت يوم السبت (16/2/2017 ) عندما تابعت برنامجاً عن المعوقين جسمياً في تلفزيون الجديد، وكيف تمكن المعوقون بالإرادة والفرصة والرعاية من تجاوز عوقهم إلى مستويات لا يستطيع كثير من الأسوياء بلوغها، أو يتمنون بلوغها. كان مثل هؤلاء المعوقين في أسرة أو مجتمع معاد يُخفون ويُعزلون أو يتحولون إلى نفايات في زوايا الشوارع، أو إلى متسولين فيها. لكننا الآن نظهرهم ونبرزهم ونفتخر بإنجازاتهم الحركية والفنية والثقافية العظيمة. وحتى ضعاف العقول صاروا بالتربية والتعليم أفضل، أو قادرين على القيام بأعمال عدة. وقد راقبت ذلك ورأيته بأم عيني في مركز جمعية الشابات المسلمات للمعوقين في منطقة البنيات.
في الرياضة يطردون المدرب إذا فشل الفريق، لأنه مسؤول والفريق قادر إذا أحسن تدريبه أي إذا درب بصورة صحيحة أن يفوز. أما في المدرسة والكلية والجامعة فالأمر بالعكس.
ولعله لهذا وذاك رأيت تقديم مشروع لإصلاح امتحان الثانوية العامة لمعالي وزير التربية والتعليم (21/7/2009) كان أول بند فيه إلغاء وصف النتيجة بالناجح أو الراسب، وتركها لمطالعة الجهة التالية لتقرر بشأنها، فعندئذ تتراجع طوارئ الامتحان وإطلاق النار في أعقابه، واضطهاد الراسبين فيه. لكن هالة الوزير عند إعلان النتائج وسطوته، وكذلك هيبة الامتحان تسقط بهذا التغيير.
أما البلاء الثاني الذي يشبه بلاء الإيدز في القضاء على المناعة التي يكتسبها المرء بالتعلّم، فيتجلى بأسس القبول المعمول بها في الجامعات الرسمية القائمة على الكوتات والاستثناءات والقوائم التي تقضي على آمال التلاميذ (المجتهدين) في الالتحاق بالتخصصات التي يرغبون فيها لأنها أعطيت لغيرهم ممن لا يستحقونها. وبذلك يتكون مجتمع الجامعة من فئتين: الفئة المحظوظة المقبولة بحجة الأقل حظاً أو ذات الظروف الخاصة وما هي أقل حظاً ولا هي ذات ظروف خاصة؛ والفئة المحرومة أو التعيسة الأقل حظاً التي خسرت فرصتها بالاجتهاد.
ما لم يتم ربط مواد امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) بالتخصص الجامعي الذي يرغب فيه التلميذ/ة كماً ونوعاً ويلغي القبول عن طريق لجنة القبول الموحد لجعله مباشراً، وما يجعل التعليم العالي الرسمي كالتعليم العام مجانياً أو شبه مجاني، فإن إصلاح التعليم العام والتعليم الجامعي لن يتم، وبالتالي لن يكون هناك فرصة فيهما للإبداع والابتكار نتيجة العوق الإداري والتربوي المزمن في المدرسة وفي القبول في الجامعة.

التعليق