ضيف شرف

تم نشره في السبت 15 نيسان / أبريل 2017. 11:06 مـساءً

الشرف مفردة شائعة الاستخدام في غالبية اللغات والثقافات العالميىة، وهي تعني اشياء متشابهة الى حد كبير. في الثقافة العربية، تشير الكلمة الى جملة من الخصائص والصفات التي يتحلى بها الفرد كالصدق والشجاعة والنزاهة والامانة والعفة والاستقامة في السلوك، كما ان  استخدامها لوصف شخص ما يعني ابتعاد ذلك الفرد عن الغدر والمكر والخسة والخيانة والخداع.
تاريخيا، وفي عهود الاقطاع كان النبلاء يدربون ابناءهم  تربية ارستقراطية ليكونوا فرسانا شجعانا يتصرفون كأبناء عائلات عريقة يترفعون عن الصغائر ويحملون اخلاقا وطباعا وألقابا تشير الى نبل اخلاقهم وفروسيتهم وشجاعتهم. في ادب الاطفال والقصص الشعبية والروايات ظلت فكرة الفارس الذي يأتي  ليختطف عروسه على الحصان الابيض الحلم الذي يراود اجيالا من النساء الحالمات في  مختلف ثقافات الارض.
العديد من العائلات الارستقراطية المنتشرة في أوروبا وآسيا وافريقيا تحظى باحترام وتقدير الشعوب والطبقات الاخرى، رغم ان بعضها لا يمتلك سلطة ولا  يمارس الحكم الفعلي في تلك البلدان. معاني النبل  والسمو والترفع دفعت بالمجتمعات الى ابتداع الالقاب والاوسمة والدرجات التي يجري منحها للاشخاص الذين يظهرون صفات ويتخذون مواقف ويقومون بإنجازات تتطابق مع قيم واخلاق الفروسية والنبل والشرف.
في بريطانيا، وغيرها من دول العالم، تصرف الالقاب والاوسمة والميداليات كتعبير عن التقدير للضيوف والشخصيات الرسمية والسياسية والفكرية والقيادات الشعبية ذات الثقل والتأثير في المسيرة الانسانية ولأبناء هذه المجتمعات، كمكافأة على السلوك والمواقف والخدمات المخلصة والانجازات.  المعاني التي تحملها  العديد من الالقاب والاوسمة والميداليات مستمدة من قيم الطبقات الارستقراطية والقابها   المتدرجة في الشرف والمكانة؛ فالدوق يتقدم على بقية الرتب والالقاب والكونت يتقدم على البارون، وجميعها مراتب في نظام صارم يحترم التراتبية ويلتزم بالقواعد المتوارثة في التقيد بالبروتوكولات التي  تظهرها للعامة بدقة واتقان.
منح وسحب الالقاب الشرفية ما يزال أحد أهم الادوار والامتيازات التي ينفرد بها ملوك انجلترا. وكما للمجتمع بناء وطبقات، فإن للالقاب مراتب ودرجات يقع في مقدمتها "الدوق"، وتتدرج إلى أن تصل الى "البارون". وتمنح الاوسمة للعامة ممن يقومون بإنجازات او خدمات جليلة بصيغة تقربهم من سمات الارستقراطيين، كأن يحصل على رتبة " فارس".
اليوم يسرف البعض منا في استخدام مفهوم "ضيف الشرف"؛ ففي الاحتفالات يدعى اشخاص بصفتهم ضيوف شرف، ويقيم البعض مآدب يلحق بها اشخاص على انهم ضيوف شرف، وفي بعض المسلسلات والاعمال الدرامية يستدعى بعض الممثلين ليكونوا ضيوف شرف على العمل الفني، واحيانا من دون ان يقوموا بأي دور سوى اطلالات محدودة في ادوار ثانوية جدا.
مفهوم الشرف ومعنى استخدام المفهوم اصبح غامضا لا بل ومختلا لدرجة ان البعض يضفي على جرائمه صبغة الشرف. قبل سنوات أقامت إحدى الشخصيات الاردنية دعوة عشاء للعشرات من الوجوه المعروفة في الاردن وفلسطين، وقد اتصل بالجميع ليبلغ كل منهم انه ضيف الشرف. ما ان حضر الجميع وكل منهم يعتقد انه الضيف الرئيسي حتى  ثارت في اذهانهم اسئلة عن اسباب ودوافع الدعوى. بعد ان اكتملت الاستعدادات وهم المضيف بدعوتهم للمباشرة بتناول الطعام بدأ الحرج على المضيف ليدرك أحد المدعوين حرجه، فيقول مازحا: شكرا لك على الدعوة، فلا تتردد يبدو أن الدعوة "بلا شرف".
في كثير من الاحتفالات التي نحضرها يجري تكريم أشخاص بلا مناسبة ولا استحقاق، ويصعد إلى المنصة آخرون بلا خطاب أو ما يمكن قوله، وما ان ينتهي الاحتفال حتى يبدأ مسلسل توزيع الدروع التي قد تصل احيانا إلى المئات. مهم أن يقدر الناس بعضهم، لكن الاسراف في كل شيء يفقده الغاية والمعنى ويفقده كل قيمة مرتجاة.

التعليق