نضال منصور

الرزاز والثورة البيضاء في التعليم

تم نشره في السبت 15 نيسان / أبريل 2017. 11:04 مـساءً

حتى الآن يحقق وزير التربية والتعليم الدكتور عمر الرزاز نجاحا في محاولته اختراق التابوهات التي استقرت عليها العملية التربوية والتعليمية لعقود طويلة.
العملية ليست سهلة، والتغيير في وزارة كبيرة جدا كالتربية ليست بالأمر اليسير، لأن إدارة العملية التعليمية بجميع مواقعها ستخضع لتغيير وتبديل للتكيف مع الاتجاهات الجديدة.
المعارضة والمقاومة لعمليات الإصلاح التعليمي والتربوي تبدأ عند بعض قيادات الوزارة الذين لا يرحبون بالتغيير، وكذلك قطاعات من المعلمين والمعلمات الذين لا يطربهم بعد سنوات طويلة من عملهم النمطي حثهم على تعلم طرائق جديدة للتدريس والتربية، فهم يتشبثون بسلوكيات وقيم ومعارف ومهارات ولا يريدون التخلي عنها رغم ثبوت فشلها.
ولا تتوقف المواجهة والمعارضة عند هؤلاء، فالأمر يمتد إلى أصحاب المصالح الذين بنوا ثروات من وراء صيرورة هذه العملية التعليمية على هذا النحو، والتغيير يفقدهم وظيفتهم وتكسبهم من ورائها، والأهم مدى تقبل المجتمع لأي توجهات إصلاحية تربوية وتفهمها قبل محاكمتها وإطلاق الرصاص عليها.
بدأ الوزير الرزار بقضية مهمة، وهي الغاء كلمة ناجح وراسب في التوجيهي، منطلقاً من قاعدة واضحة بإنه لا يوجد انسان فاشل وراسب، وأن المجتمع وعلى رأسه وزارة التربية مطالبة بمنح الطالب والطالبه فرصة تحسين تحصيله دون "وصمة العار". وحتماً يجد الرزاز دعماً مجتمعياً، فأهالي الطلبة لا يرغبون بهذه الكارثة حين يواجهون "رسوب" أولادهم، ويريدون أن يتخلصوا من رعب التوجيهي.
سنؤيد إلغاء مفهوم "الرسوب"، وهذا لا يعني الاستغناء عن معايير محددة لقبول الطلبة في الجامعات، وهو أمر يحدث في كثير من دول العالم.
هذا الأمر مقدمة لطرح الأسئلة حول ماذا نريد من العملية التعليمية، ما هي مواصفات الطالب الذي نحتاجه حتى يسهم في نهضة المجتمع، ما هي التغيرات الجذرية التي يجب أن نباشر بها في "المناهج"، وقبل ذلك من هو المعلم والمعلمة الذين يستطيعون أن ينفذوا عملية التغيير الصعبة؟!
الأمر المؤكد أن طلبة كثيرين حصلوا على كلمة ناجح بالتوجيهي، ودخلوا الجامعات بتخصصات وتخرجوا، وهم لا يملكون المهارات والمعارف للإبداع، ويواجهون تحديات واسعة للتميز والبقاء في عملهم في بيئة تنافسية، هؤلاء في الغالب لم يتعلموا البحث والتفكير النقدي، ولا يقدرون على تقديم تصورات للحلول والتحديات.
اذن لم نعد بحاجة إلى التلقين والحفظ في هذا الزمن، فهذا متوفر بسهولة عند السيد "جوجل"، والمعلم لم تعد وظيفته الأهم أن يقدم للطلبة المعارف التي يمكن أن يصل لها الطلبة بطريقة أسرع، وبأنماط مختلفة في زمن الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
أصبح المعلم مطالباً بأن يحث الطلبة للتدقيق في المعلومات الكثيرة المتدفقة نحوهم، وأن ينمي قدراتهم على التفكير المنطقي والتحليلي لقبول بعضها ورفض الكثير منها، والأهم كيف يملكون نسقاً في التفكير لمحاكمة ما يعرض عليهم مستندين إلى امتلاكهم أساليب البحث.
فإن كان الوزير الرزاز والدولة الأردنية تذهب نحو هذا التوجه فإنهم يحتاجون إلى ثورة لتأهيل وتدريب المعلمين للقيام بهذا التحول، والتخلي عن أنماط وأساليب التعليم التي تقادمت وعفا عليها الزمن.
لا نريد أن نتشاءم؛ فالتغيير يبدأ بخطوة، وما أزال أتذكر المقاومة التي تعرض لها الوزير الأسبق للتربية خالد طوقان حين أعطى الأولوية لحوسبة التعليم وإدخال الكمبيوتر لكل مدرسة.
وحتى يتغلب الرزاز على الصعوبات التي يمكن أن تواجه تغيير منظومة التربية والتعليم وموروث عقود، عليه أن يحصل على تفويض ودعم من الدولة، وأن يذهب نحو "دمقرطة" التعليم وتوسيع قاعدة المشاورات المجتمعية، مثل التصويت على أفضل جدول لامتحان التوجيهي والاستماع لرأي الطلبة.
الخطوات التي ستقوم بها وزارة التربية مرت بها دول عديدة، وعلينا أن نستلهم أفضل التجارب وأقربها إلى البيئة والمنظومة الاجتماعية الأردنية حتى لا يتذرع المناوئون بمفهوم "الخصوصية".
الإنجاز لن يتحقق بين ليلة وضحاها، والأمر لا يتوقف عند التوجيهي، بل يبدأ من رياض الأطفال ومراحل التأسيس، ونحن نريد طلبة يبدعون وبالتالي نظاماً تربوياً وتعليمياً يستطيع اكتشاف مواهبهم وأهتماماتهم. ويغذيها ويقدم الحوافز لإطلاقها، وهذه العملية سلسلة متتابعة وليست خاصة بآخر عام قبل الذهاب للجامعة. والمشكلة الأصعب التي تواجه الرزاز أن تحقيق ثورة بيضاء في التعليم يحتاج إلى موارد مالية، بينما الأزمة الاقتصادية تحاصره.

التعليق