"عناق الأفعى": يأخذ المشاهد في رحلة عبر الأمازون

تم نشره في الاثنين 17 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً
  • مشهد من فيلم "عناق الأفعى" - (من المصدر)

عمان-الغد- تعرض مؤسسة عبد الحميد شومان/ لجنة السينما، اليوم، فيلما دراميا وثائقيا بعنوان "عناق الأفعى" (2015)، موضوعه الإنسان في مواجهة الطبيعة، يزخر بالرموز التي تحمل المشاهد في رحلة سحرية في منطقة الأمازون، من خلال قصة تروى من قبل سكان المنطقة الأصليين.
يكشف المخرج سيرو غيرا في ثالث أفلامه بعد "ظلال تائهة" (2004)، و"رحلات الريح" (2009)، أسرار مغامرة مبنية من قصتين متوازيتين؛ الأولى تبدأ في العام 1909، بطلها رحالة ومستكشف ألماني هو تيودور فون مارتيوس، والثانية  تجري زمن الحرب العالمية الثانية، في أوائل الأربعينيات، بطلها باحث أميركي متخصص في علم النبات هو "إيفانز"، الذي جاء إلى الأمازون ليقابل "كاراماكاتي" أحد السكان الأصليين.
تبدأ الأحداث في منطقة تقع شمال البرازيل، بالقرب من حدودها مع بيرو وكولومبيا، وهي منطقة استوائية فيها أنهار تشقها ومشاهد تشق لها الأنفاس، وهذا ما يظهر على الشاشة في بداية الفيلم من خلال جملة تقول على لسان الرحالة الألماني مارتيوس: "لا أعرف كيف أصف ما رأيته من جمال وروعة، لكن كل ما أعرفه هو أنني أدركت بعد عودتي أنني أصبحت شخصا آخر".
يجيء مارتيوس، الشخصية الدرامية الرئيسية في الفيلم، وقبيل عودته لبلاده على قارب وهو يعاني من مرض غير معروف ومعه "ماندووكا" مرافقه المخلص بغية مقابلة كاراماكاتي، وهو حكيم يعيش في الغابات المجهولة ونجا من إبادة قام بها المستعمرون الأوروبيون، وسط أحقاد يحملها ضد كل البعثات الأوروبية التي كانت تغزو المنطقة بحثا عن المطاط المستخرج من أشجار غابات الأمازون والتي نجم عنها "بارونات المطاط" الذين استعبدوا السكان الأصليين لجمع سائل المطاط من الشجر.
ولأن كارامكاتي هو حلقة الوصل بين الشخصيتين، باختلاف الفاصل الزمني، يأتي ايفانز العالم والباحث في الانثروبولجيا الذي يبحث عن نبتة سحرية هي الياكرونا، معتمدا على ما خلفه تيودور من مذكرات، ليعرض على الساحر كاراماكاتي مساعدته على إيجاد بقية أفراد قبيلته مقابل أن يدله على النبتة.
وفي رحلة تملؤها التناقضات والتنقل بين الشخصيات الثلاث تنطلق المغامرة الأسطورية، كاشفة من خلال السيناريو القائم على ما تركه كلا الرجلين من ذكرياتهما التي مرا بها، وسط مشاعر وتساؤلات روحانية للوصول لمبتغاهما؛ إذ تطال هذه الأسئلة الطبيعة وقوتها وحضورها في ثقافة تلك القبائل والسكان الأصليين الذين يسكنون المنطقة.
للإيمان حضور كبير في الفيلم، الإيمان والروحانية والاختلاف بين معتقدات السكان الأصليين ومفاهيم رجال العلم؛ حيث إن الساحر كاراماكاتي متعلق بتقاليده وإيقاع عالمه مقابل العالم، فتنشأ علاقة مركبة وصراع بين عقلين، ما يولد مواجهة وصراعا داخليا يشعر به المشاهد بوضوح.
يقدم الفيلم شخصياته بتناغم كبير، ولا يخلو الفيلم من الاستعارات، فثيودور عاجز عن فهم أسرار الغابة، وهو ما لم يدركه الغزاة الأوروبيون ولم يحترموه، ليبدو عاجزا عن حل مشكلة مرضه وفهمه مواصلا رحلة البحث عن علاج يستخرج من نبتة ما.
وفي الوقت نفسه نجد هناك نظرة الازدراء التي تظهر في طريقة تعامل كاراماكاتي مع ماندوكا مرافق ثيودور، ومعتبرا إياه خائنا لقومه وخادما للرجل الأبيض وتشبهه بهم بمظهره وثيابه، وكأنه تخلى عن ثقافاته وتاريخه، فيما الأخير، أي ماندوكا، يحاول عبثا أن يشرح للساحر كاراماكاتي أن العالم ثيودور مختلف عن الغزاة الأوروبيين، فهو رجل وله احترام بين أقرانه من العلماء، وسيلعب دورا في كشف حقيقة ما فعله الغزاة بهم أمام قومه ومن المهم أن نكسب تعاطفه.
ولأن الذكريات التي تتدفق خلال القصة نجد أن الموسيقى عنصر مهم، خاصة أنها مهداة الى "الشعوب التي لا نعرف أهازيجها أبدا"؛ حيث نجد أن ثيودور شديد التعلق بممتلكاته التي تذكره بوطنه وزوجته من خلال الفونوغراف الذي يلعب موسيقى تحمل كل الذكريات في داخله وكأنها ما يربطه بواقعه، وكيف لا! فهي "موسيقى الخلق" لهايدن التي تحكي قصة الخلق وتشكل الحياة.
اسم الفيلم "عناق الأفعى"، مرتبط بأسطورة الاناكوندا التي هبطت من السماء وكأنها هدية من الآلهة، ما يبرر شكل النهر في داخل الغابة التي يشقها، مانحا إياها الحياة، وكان الأرض تعانق النهر. استحضار مناظر الطبيعية يعزز الفجوة بين الحلم والحقيقة، خاصة في المشاهد التي تستحضر من ذاكرة الرجلين موحدة الفترات الزمنية البعيدة؛ أي أن الماضي والحاضر والمستقبل تتدفق معا في تيار واحد غير منته.
"عناق الأفعى"، ترشح للعديد من الجوائز أهمها أوسكار أفضل فيلم أجنبي في العام 2016 الى جانب فيلم "ذيب" للمخرج الأردني ناجي أبو نوار.

التعليق