النهضة التربوية: دراسات في الورقة النقاشية الملكية السابعة (1 - 2 )

تم نشره في الاثنين 17 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

د. ذوقان عبيدات

ليس من شك في أن الورقة الملكية النقاشية السابعة، كانت ضرورة، واستجابة، فهي ضرورة لما تحتله التربية وما يحتله التعليم من أهمية  - غير قابلة للجدل  -  في نهضة الأمة وبناء الوطن. وهي استجابة لتطوير مفاهيم نقاشية عديدة، دارت بين المهتمين التربويين، وغير التربويين، كان بعضها بريئاً.. وبعضها سياسيا بامتياز.
وجاءت الورقة الملكية لتضع المجتمع الأردني  ونخبته التربوية امام موضوعات عدة هي: 1 -  التعليم قضية وطنية.
2 -  التعليم قضية نهضوية. 3 -  التحديات امام التعليم. 4 -  التعليم والتراث والمستقبل. 5 -  التعليم والاختطاف  السياسي.6 -  التعليم وفتح أبواب التفكير. 7 -  شكل المدرسة الأردنية المطلوبة.
8 -  تكامل الجهود الرسمية والمدنية.
وسنخصص مقالة تحليلية لهذه الابعاد، ومقالة تتناول متطلبات التنفيذ بدءاً بالمقالة الاولى.
التعليم قضية وطنية
وفي هذا المجال نبدأ ببعض الملاحظات:
1 -  حين تم طرح موضوع المناهج، وما تحويه من أفكار داعشية تتعلق بمختلف مناحي الحياة: التطرف والإرهاب، والمواطنة وكرامة المرأة، والتزام التنوع، والهوية. تفاعل تقريباً كل المواطنين من مختلف الاتجاهات، الامر الذي يعكس مدى اهتمام المواطنين جميعاً بالعملية التربوية.  وبحساب بسيط إذا كان لدينا حوالي 1.8 مليون طالب، فإن كل المجتمع ذو صلة مباشرة بالمدرسة والتعليم والمناهج والجامعات.
2 -  ان الجدل بين الاتجاهات المختلفة في المجتمع  -  غاب عنه جميع اساتذة الجامعات -  الأمر الذي لا يفسر بإمكاناتهم المهنية، بل بما اعتادوا عليه من عزلة عن المجتمع وما يجري فيه لعل سببها الخوف او اللامبالاة او السلبية، ولكنها كانت ظاهرة واضحة تماماً وكأن الجدل يدور في دولة بعيدة جداً او في موضوع عجيب لا علاقة لهم فيه.
3 -  ومن المسلمات المهنية -  في كل مهنة -  ان المختصين لا يقررون وحدهم مختلف شؤون المهنة. فلا يجوز للأطباء ان يعبثوا بالأسعار، ولا يحق للرياضيين ان ينشروا العنف والكراهية وخطابات أو هتافات مسيئة، وكذلك لا يحق للتربويين ان يقرروا النموذج الانساني المطلوب، فهذه قضايا وطنية تهم الجميع. وما يهم الجميع من حق الجميع ان يبدي رأياً او يقدم مشاركة!!
على ضوء هذه الملاحظات جاءت الورقة الملكية، اضافة لخطاب جلالة الملك الشهير في بداية العام الماضي. جاءت هذه الورقة لتبدد الشكوك. وتطلب النقاش والمشورة من الجميع. فمن يقدم رأياً من اساتذة الجامعة او المعلمين او حتى الخبراء خارج هذا الاطار لا يحق له ان يتردد أو يخاف على مستقبله الوظيفي او طهارته المهنية من الخدش والحياء.
لقد اتسمت الورقة النقاشية بالمبادئ والتوجهات الآتية:
1 -  لا بد من تطوير التعليم، فالتعليم استثمار. والاستثمار قضية وطنية مشتركة. لا تتعلق بمنطقة دون اخرى، أو فئة دون اخرى.
والقضية الوطنية غالباً ما يستجيب لها المواطنون بالإجماع. وعلينا ان نبحث عن المشترك بين الجميع حتى يكون التطوير او التعليم قضية وطنية. ففي القضايا الوطنية لا اغلبية ولا اقلية ولا تهميش لا اقصاء، المهم أن يشعر الجميع، ويدركوا اننا مواطنون اردنيون يعيشون في عالم انساني، وان ندرك ان الاستثمار هو مشروع تنموي تظهر نتائجه في المستقبل.
2 -  والنهضة التربوية تبنى على نظرتنا الى المستقبل، واختيارنا من ثقافتنا ولغتنا وقيمنا التراثية ما كانت ثقافة اشعاعية. فنحن نهضنا حين تعلمنا من العالم، وليس حين استندنا الى تراث ما قبل الاسلام. نهضنا في العهود الأموية الزاهرة. والعهود العباسية بعد ان درسنا ثقافات العالم وفكر العالم، وطورنا ثقافة نهضوية قادتنا الى العالم.
ونحن نعلم جيداً أن تراثنا لا يتوقف عند فكر ما او اجتهاد ما، ففي تراثنا جمال وخير وحق، كما في تراث كل الشعوب. وفي تراثنا منطق وفلسفة وفقه كما لكل شعوب العالم. وهذا ما اكدته الورقة النقاشية. حين قالت ان "النهضة لا تتوقف او تتجمد عند حالة معينة. فالمستقبل هو ما يقودنا".
3 -  ان التردد ليس وسيلة لنهضة تربوية. فالمطلوب وضوح وجرأة فإذا ما اتفقنا على المبادئ التي وردت في الورقة الملكية  -  وهي بنظري مبادئ وقائية  -  فإن علينا ان نسير في طريق النهضة، صحيح ان النقاش مطلوب في كل قضية وطنية، فالآليات ليست وطنية لكن الاهداف وطنية.
ان تقييم التعليم مثلاً قضية وطنية، لكن امتحان التوجيهي ليس كذلك، اذن علينا ان نناقش القضية الوطنية أم آلياتها؟ والنقاش يجب ان يكون جديداً، وآمناً وليس كما حدث في العامين الاخيرين مليئاً بالقنابل والالغام والاتهامات التي وصلت حد التكفير.
4 -  والنهضة ليست غريبة عن مجتمعنا، فنحن الاكثر حاجة الى النهضة التربوية، وطالما حفل مجتمعنا بمؤسسات نهضوية وافكار نهضوية تعمل ضمن اطار وطني واجماع وطني. فمؤسسة مثل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (ارض) هي الاكثر التصاقاً بالتعليم من خلال برنامجها النهضوي: التعليم من اجل المستقبل، تحمل الفكر الوطني وتدعو الى نهضة وطنية. كما أن هناك العديد من المؤسسات التي تخدم التعليم كقضية وطنية جامعة.
لقد جعلت ورقة الملك التعليم قضية وطنية له اولوية. باعتباره اداة التنمية وهدفها ووسيلة للوصول الى جميع الاهداف المجتمعية.
ومن المهم ان نعرف  -  وهذا بدهي  -  ان الورقة النقاشية ليست خطة عمل بل إطار لخطة عمل تتطلب حوارات ايجابية معمقة. لقد وضعت هذه الورقة كما حددت سابقاً، القضايا الآتية اضافة الى القضية الوطنية وسأفصل هنا قليلاً:
1 -  اذا كان التعليم قضية وطنية فهذا يعني انه يجب ان يرتكز على مقومات الوطن وهويته وابعاده الجامعة، وان يشارك الجميع دون فئوية او تهديد او رعب.
2 -  اذا كان التعليم نهضوياً  -  كما حددت الورقة الملكية  -  فإننا يجب ان نعرف ما يأتي:
 -  النهضة بمفهومها العلمي هي انتقال من حالة الى حالة. وفي موضوع التعليم فإنها تعني نقل التعليم من التلقين الى التفكير. ومن الجمود والانغلاق الى الحركة والانفتاح.
 -  تتطلب النهضة النهوض بأبعاد النشاط الانساني مثل الفنون والآداب والعلوم والاخلاق والفكر.
 -   القضاء على مقومات التخلف، وتحقيق سلطة العقل والمنطق. فالنهضة هي مواجهة الفكر المعيق والتحديات الموضوعية والذاتية وإدخال مفاهيم العصر، وهذه كلها وردت في الورقة الملكية.
 -  كما تتطلب النهضة تعميق النقد والفكر الناقد وقيم الجرأة والشجاعة والقضاء على التردد.
 -  وتتطلب النهضة ايضاً، تحليل الابعاد الفكرية والثقافية لتراثنا. واستلهام ما ينعكس على المستقبل منه.
لقد لاحظ النهضوي العربي رفاعة الطهطاوي ان نهضة اوروبا كانت في اتباع العلوم العقلية والعلوم التجريبية، ودعا جمال الدين الافغاني الى تفاعل الفكر مع الإرادة لانتاج النهضة وبناء المستقبل، فالفكر يتطلب ارادة، والارادة يجب ان تتوجه بالفكر، فلا يجوز ان نبقى نفكر في أننا نريد النموذج العربي في الوقت الذي نتهم هذا النموذج بكل الموبقات، المطلوب نهضوياً ان نفكر بآفاق عالمية ولكن في التطبيق علينا ان نعمل محلياً وفق ظروفنا. وهذا ما دعا اليه شيخ النهضة محمد عبده حين قال: النهضة والاصلاح هي في بناء الامة وليس في قتال الآخرين.
3 -  اشارت الورقة الى ان التعليم يجب ان يتصدى لمواجهة التحديات التي تواجه التعليم. وهذا مجال لنقاش طويل حول تحديد هذه التحديات، ووضع اولوية لمدى اهميتها وصعوبتها!
فهل التحديات هي في الفلسفة والفكر ام في التطبيق؟ هل هي في المناهج ام طرق التدريس؟ هل هي في المنهج المعلن ام المنهج الخفي. هل هي في بيئة المدرسة ام في ثقافة المجتمع؟ ولعل التحدي الاكبر هو في الاجابة عن سؤال:
هل التربية يجب ان تخضع للمجتمع أم تقود المجتمع؟ وهذا هو التحدي الاكبر!! هناك تحديات في اداء المعلم والشراكة مع المجتمع والامتحانات، وهناك تحديات في ما نريد من طالبنا! هل نريده مفكراً ناقداً، شاكاً، مجرباً أم قنوعاً قابلاً مستسلماً واثقاً؟
اذن نحتاج الى الاتفاق على التحديات والاولويات، والنقاش حولها يجب ان يكون مهنياً تربوياً لا سياساً او عقائدياً، فأية مجموعات وطنية يمكن ان تتفق على التحديات الآتية.
 -  مناهج تفكير  -  معلم منتج  -  مدرسة قائدة -  تقييم عادل وموضوعي، اما نموذج الطالب المطلوب فهو طالب باحث مفكر في اي اتجاه!!
4 -  واشارت الورقة الملكية الى موضوع التراث وحددت الابعاد الآتية:  -  اللغة العربية واهميتها وارتباط القرآن الكريم بها.  -  التراث المفيد للمستقبل وليس المعطل والجامد.  -  لكل عصر ادواته.
وهذه مسلمات لا يجوز الاختلاف حولها، وأي نقاش حولها يمكن ان يتركز على ما نريد لمستقبلنا! فهل نريد المشاركة في بناء العالم وحضارة العالم، أم نريد ان نعلم العالم؟
إن تراثنا مليء بالفكر والفن والادب كما هو مليء بالفقه. بل ان معظم روادنا مفكري نهضتنا، كابن سينا وابن رشد والفارابي والكندي والغزالي وابن عربي وابي العلاء المعري كانوا فلاسفة وشعراء وموسيقيين وفقهاء. وليس هناك ما يمنع ان نعرض هذا التراث وغيره الى نقد وفحص وتأمل!! كيف نقبل تراثاً دون مثل هذا الفحص؟ بل كيف نقدس تراثاً ونحن نعرف انه فعل انساني؟
5 -  تتحدث الورقة عن قضية انسانية اخرى هي في إبعاد التعليم عن المناكفات السياسية. فالتعليم موضوع وطني جامع. ولا يجوز اختطافه. فالتعليم وطني، والوطن الاردن، والمواطن اردني عربي وهذا ما يجمع بين المواطنين، ليس لحزب أو فئة.
وفي هذا الصدد، حين نعلم الطالب التفكير، فإننا نعلمه حرية الاختيار ولا نفرض عليه توجهاً معيناً.
نقدم له الافكار لا الحقائق، نقدم له المذاهب ما لها وما عليها ونقدم له الاحزاب دون ان نوجه تفكيرها. لقد انتهى عهد تعليم الحقائق والمواد الدراسية ليبدأ عهد التعليم بالمادة وبالحقائق. أي ان الحقائق والمواد الدراسية وسائل لتعليم الصدق والحرية والقرار والاختيار.
6 -  ومناهج التفكير، ليست جدلية ايضاً، فتراثنا أو ديننا والمنطق والفن والجمال كلها تدعو الى التفكير، فلماذا تغضب حين يطالب احدنا بمناهج تفكير؟
ان مناهج التفكير تعني: مهارات النقد والتجريب والتأمل والفحص والشك.، مهارات التعليم المستمر والبحث عن المعرفة من أي مصدر.  مهارات العمل في مجتمع تعلم يتم فيه تبادل الافكار. مهارات التواصل الانساني محلياً وعالمياً كوسيلة للعمل المشترك في بناء الحضارة. مهارات الانتاج: انتاج الافكار والوسائل والادوات التي تعمل على تحسين الحياة. مهارات التغيير والتطوير والتجديد.
فمن يقف ضد هذه المهارات؟ اننا لا نعلم الشك لنرفض ولا نعلم النقد لنتجاوز! هذه مهارات حياتية تساعدنا على النجاح الشخصي والعملي. فالمناهج المطلوبة ليست في الإكثار من مادة وحذف مادة. المناهج المطلوبة هي مناهج انسانية تقدر الذات وتقدر الآخر.
7 -  والمدرسة في الورقة الملكية ليست بناءً ومساحات وساحات بل مختبرات للتجريب والعمل والتفكير. يتعلم فيها الطالب كيف يتعلم وليس ماذا يتعلم؟ وهذا هو الهدف! نحن لسنا معلمين بل متعلمين. وعلينا أن نتواضع ونقبل دورنا كتلاميذ لا معلمين. فالمعلم متعلم، والمواطن متعلم. والمدرسة متعلمة، !! فلماذا يميل بعضنا لتعليم العالم كله. لماذا تقع على عاتقنا مسؤولية هداية العالم او حتى هداية بعضنا؟ ان التخلي عن الاستذة ليس مجرد تواضع، بل فلسفة إنسانية بنائية. وان التمسك بالتلمذة ليس مجرد كمون بل تهيؤ للانطلاق. فالتلميذ متعلم يتعلم باستمرار والمعلم متعلم يتعلم، وليس لدينا ترف تعليم الشعوب بل مهمة المشاركة معها في بناء الإنسانية.
8 -  وجهود تطوير التعليم هي جهود جمعية تشاركية، فالورقة وضعت الجميع أمام مسؤولياته: فالمدارس الخاصة هي مختبرات لقيادة التطوير وليست عدوة او منافسة لمدارس الحكومة!! ان عليها ان تسهم في تطوير المناهج وتطوير التدريس وتدريب المعلمين والمشرفين، هي مختبرات للتجريب ومنارات للتدريب والتطوير.
 نحن بحاجة الى الحكمة والتأني، نحن بحاجة الى اختيار معاركنا. لكن المشاركة في دورة تدريبية ليس حقل الغام!! لقد علمنا ان عاملين في أكثر دوائر التربية أهمية لم يشاركوا في دورة تدريبية منذ عشرين عاماً!! فهل هذا معقول؟ وكيف نطلب او نتوقع منهم مناهج تفكير؟؟
ان تكامل الجهود في بناء العملية التربوية ليس ترفاً وجهود التطوير ليست حكراً على مؤسسة لم تدرب عامليها منذ وقت طويل:!! إن الخبرات التربوية  -  داخل الوزارة واجهزتها ليست منعدمة، بل موجودة بقوة. لكنها مع الأسف ما زالت تقبع في الصف الثالث أو  الرابع بينما يطفو على السطح مديرون ليسوا الأكثر قدرة!! علينا أن نبحث عن الخبرة داخل الوزارة وخارجها. فتكامل الجهود ضرورة والمشاركة ضرورة.
اذن تصف الورقة واقع التعليم في أكثر من موقع. وتصف خطوط التطوير. والأهم من ذلك انها جاءت استجابة لحاجات مجتمعية وحاجات تنموية وحاجات حضارية وليس مجيئها الا تتويجاً لنقاشات كانت في  معظمها جادة واعطاؤها الرقم سبعة لا يعني انها ليست اولوية. بل  تعكس دقة الملك في الاستجابة والاستشعار في الوقت المناسب.
ان الجزء الثاني من المقالة سيتناول النقاشات حول الخطوات العملية اللازمة قبل التنفيذ وفي اثنائه وبعده. وأنا على ثقة بأن وزارة التربية والتعليم بقيادتها الحالية ستكون بحماسة جلالة الملك وجلالة الملكة وحماسة المهتمين بتنفيذها.

التعليق