السكون المريب لسوق الذهب

تم نشره في الاثنين 17 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- قصفت أميركا سورية، وتدهورت علاقاتها مع روسيا، وتعمل كوريا الشمالية على تطوير صواريخ نووية بعيدة المدى، الأمر الذي تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقفه بنفسه إن تطلب الأمر، وهناك حديث جارٍ عن "إنعاش التجارة" في أميركا مع العمل على تخفيض الضرائب وإنعاش النمو العالمي.
ينبغي لكل ذلك أن يكون مثابة أخبار جيدة بالنسبة للذهب، المعدن الثمين الذي عادةً ما يكسب مكانةً مرموقةً في فترات عدم اليقين السياسي أو رفع توقعات التضخم. ولكن كما تقول آخر الأرقام، فقد تلقى الذهب ضربةً قاسية عندما تم انتخاب ترامب كرئيس للولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر)، وما يزال تحت المعدل الذي كان عليه في تموز (يوليو) الماضي. وإذا ما اعتبرنا الذهب كلب حراسة، فلا بد أن فشل في النباح.
لقد تمتعت سبائك الذهب بسوق مزدهرة لمدة عشرة أعوام امتدت من 2001 حتى 2011، عندما وصلت في ذروتها إلى 1.898 دولارا لكل أونصة. وتعزز هذا الاتجاه التصاعدي في مراحلة الأخيرة على يد تطورين رئيسيين: أولاً، استخدام البنوك المركزية سياسة التيسير الكمي، الذي قال فيها خبراء الذهب أنها ستؤدي بلا شك إلى ارتفاع معدلات التضخم، وثانياً بسبب أزمة اليورو، والتي تسبب بحالة من التوتر إزاء احتمالية تلاشي العملة الواحدة من جهة، وسلامة البنوك الأوروبية من جهة أخرى. ولكن سعر الذهب سقط بشكل حاد وبقي في نطاق ضيق منذ ذلك الوقت.
وكان العام الماضي مخيباً للآمال من حيث الطلب على الجواهر، لاسيما وأن دارسة استقصائية قامت بها "توماس رويترز" وجدت أن تصنيع الجواهر انخفض بنسبة 38 % في الهند (حيث وجهت الضرائب الجديدة ضربة شديدة لهذه الصناعة) وبنسبة 17 % في الصين. وأصبح البنك البنك المركزي الصيني أقل حماسة لشراء الذهب من قبل، فقد انخفض صافي ابتياعه الذهب إلى أخفض مستوى له في سبع سنوات.
وتبين أن أبرز تغير طرأ على سوق الذهب منذ بداية الألفية كان ظهور صناديق الاستثمار المتداولة، والتي سهلت على المستثمرين الحصول على هذا المعدن الثمين بدون القلق حيال تخزينه أو تأمينه. وفي أوجها، احتوت صناديق الذهب الاستثمارية المتداولة على ما يقارب 2.500 طن من الذهب، وفقاً لـمجموعة "سيتي"، والتي تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار بأسعار اليوم.
وتم شراء صناديق الذهب الاستثمارية المتداولة على أنها "زحم تجاري" كلاسيكي على يد المستثمرين الذين يحاولون جني الأموال من خلال تتبع الاتجاهات السعرية. وعندما تبدلت وجهة الأسعار في العام 2013، سارع العديد من هؤلاء المستثمرين للخروج من التجارة بالذهب، لتصبح صناديق الذهب الاستثمارية الآن تحوي حوالي الـ1.800 طن لا غير.
والمشكلة مع الذهب هي عدم وجود إجراء تقييم واضح بشأنه، فهذا المعدن الثمين لا يدفع "مكاسب" حقيقية، وعلى الرغم من أن الذهب اعتبر أسلوب تحوط ضد التضخم، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليه لأداء هذه المهمة على المدى المتوسط، ففي الفترة ما بين العام 1980 و2001، تراجعت أسعاره بأكثر من 80 % في القيمة الحقيقية.
والقاعدة العامة هنا هي أن الذهب يعد عملةً بديلة للدولار، ولذلك فعندما تؤدي العملة الخضراء جيداً، يكون الحال سيئاً بالنسبة للسبائك. ولكن هذا يعني أيضاً أن الذهب يؤدي جيداً في العلاقة مع عملة أضعف. ومنذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، ارتفع سعر سبائك الذهب بنسبة 19 % بحسب الجنيه الاسترليني. ويكمن عامل آخر في أسعار الفائدة الحقيقية. فعندما تكون مرتفعة، تكون تكلفة فرصة الاحتفاظ بالذهب عالية هي الأخرى. وعلى العكس من ذلك، تعني أسعار الفائدة المنخفضة جداً أنه ليس هناك الكثير من الخسائر من وراء الاحتفاظ بالذهب.
ويوضح هذان العاملان كيف لم تكن "تجارة ترامب" مبدئياً جيدة بالنسبة للذهب، ففي أعقاب الانتخابات مباشرةً، أمل المستثمرون أن تعيد تخفيضات الضرائب إنعاش الاقتصاد الأميركي، لاسيما وأن ذلك سيجبر الاحتياطي الفدرالي على رفع أسعار الفائدة والذي سيعزز بدوره ارتفاع قيمة الدولار، لكن أي احتمالات من هذا النوع لن تكون جيدةً بالنسبة للذهب.
لكن تجارة ترامب خسرت زخمها، فقد أثار فشله في إلغاء نظام أوباما للرعاية الصحية الشكوك حيال احتمالية تمرير الكونغرس قرار إنفاذ برنامج الاصلاح الضريبي. وقد ارتفع سعر الذهب بنسبة طفيفة منذ بداية هذا العام، بنسبة 1.6 % في الحادي عشر من نيسان (إبريل) الحالي. ولكن، رغم أن التضخم ربما قد يكون ارتفع قليلاً، لا يقترح أي شيء العودة إلى معدلات الرقمين التي شوهدت في سبعينيات القرن الماضي، عندما تمتع الذهب بأسعار مرتفعة قياسية مذهلة.
وحتى مع ذلك، لم يؤدّ المعدن النفيس بالشكل الذي كان بإمكانه أن يؤديه بالنظر إلى العناوين الجيوسياسية، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن ترامب تراجع عن بعض تهديداته في الفترة التي سبقت انتخابه حول التجارة مع الصين، على سبيل المثال. وقد يكون قصف سورية أمر قرره لمرة واحدة، وتصريحاته حول كوريا الشمالية مليئة بالـ"الصراخ والغضب، ما يدل على لا شي" في نهاية المطاف. وبمساعدة مستشاريه، مثل ريكس تيلرسون وزير الخارجية وجيمس ماتيس وزير الدفاع، ربما يظهر وأن ترامب رئيس سياسة خارجية تقليدي أكثر مما كان متوقعاً.
ولذلك فإن ابتياع سبائك الذهب هو رهان حقيقي على أن الأمور ستسوء بشكل كبير: فإما أن تتصاعد الأحداث في الشرق الأوسط وكوريا الشمالية، أو أن تخسر البنوك المركزية سيطرتها على السياسة النقدية، جميعها أمور محتملة الحدوث بالطبع، ولكنها توضح أيضاً يميل مستثمرو الذهب إلى اتخاذ مواقف قاتمة ومتشائمة نحو الحياة.

"الإيكونوميست"

التعليق